... ويبدأ عام جديد!   ملك المفرقعات العالمي   طيور لا تطير   الرهان على العلم   الأندلس فصول في الحب ... والحرب   لمحات من تاريخ ميناء العقير في الأحساء   علي المقري في «يحدث في النسيان» الآخر ... وعقدة الوحدة   اليهود في الخليج التاريخ والمسيرة   الـفــــــــــول يقوي الذاكرة.. ويحقق السعادة   ملامح عامٍ من الإعلام المرئي   أعطِ الخبّاز خبزه...   «مقهى ريش»... و«أوبرا القاهرة» نموذجان المكان كبطل في السينما التسجيلية   على شواطئ البوسفور: بين المطاعم والمقاهي العثمانية   سكينة الكوت تدعو إلى نقد علمي يرفد العملية الإبداعية   كسر التابو... والتباسات المعنى وما ورائيات الوجود   احتفالية وطنية في عاصمة المال والجمال   صناعة التعدد اللغوي في محكي   ما الذي يحدث حين يتوافد الجمهور ويقام العرض؟   أمام مشهده... الشمس والقمر يبكيان!   الفنون التشكيليّة العربيّة المعاصرة همُّ المواجهة وقلق الانتماء   دور اللعب في النمو العقلي عند الأطفال   الاكتئاب الهرموني   الالتزام والنجومية في... «البجعة السوداء»   منال عمران: ليس في تراثنا ما نخجل منه..   سر خلود السينما ونجومها   أنغمار بيرغمان آخر عباقرة جيله الرجل الذي طرح أسئلة صعبة   التلفزيون الوحش المرعب الذي حذر مخترعه من وجوده!   سهرات جديدة لنجوم الطرب   بنت بطوطة!   الفائـــــــــــزون   الوجه الرمادي من وسائل الاتصال الحديثة   العبث   من دفتر أحوال الثورة   الكويت تسأل   إنه صعب وعسير   سمراء   على حافة... النهار   الوجه الآخر للصورة: كاميلا وتشارلز أيقونة العشق الأبدي   وردة   مستعمرة الفئران   محو «أمية» الإعلام

... ويبدأ عام جديد!

كل بداية، سواء كانت بداية مشروع أو سنة أو رحلة، تمتلك نكهة خاصة تختلف عما ألفنا في الأيام السالفة، أي تختلف عن المسار الذي تتخذه الأيام والأحداث، أو ما ينتهي إليه. أشياء كثيرة تحدث بين البداية والنهاية، إلا أننا نؤخذ عادة بالبداية كما نؤخذ بالنهاية



عماد النويري

الأبعاد الاجتماعية والنفسية لمفهموم النظرة في «عروس المطر»

الأبعاد الاجتماعية والنفسية لمفهموم النظرة في «عروس المطر»

 

«هذه القراءة هي جزء من كتاب أعدّه حول الرواية الكويتية الحديثة وهي أيضا جزء من قراءة عروس المطر للروائية بثينة العيسى».

تكاد تكون نادرة هي الروايات الكويتية التي تمكّن القارئ من تطبيق نظريات أدبية ونقدية حديثة بعيدا عن المدح والقدح اللذين يخضعان عادة للذائقة القرائية وليس للرؤية النقدية وربما للعلاقة التي تربط القارئ بالكاتب. وندرة الروايات الكويتية له أسباب كثيرة أهمها حداثة التجربة الروائية في الكويت وثقافة الكاتب ووعيه بالعمل الروائي. فالدائرة المحيطة بأغلب الكتاب هي دائرة نقدية عربية بعيدة نوعا ما عن المحيط الاجتماعي وقراءات مترجمة بعيدة عن مضمونها التاريخي والثقافي.

عروس المطر رواية قد تبدو سهلة للوهلة الأولى ويمكن للقارئ أن يقول إنها رواية بنيت على المفارقة من أجل المفارقة. وربما يضيّع القارئ فرصة التأمل النقدي في البحث عن نهايتها، هذا إن لم يستعجل الأمر ويصل إلى النهاية لتصبح الرواية قد انتهت عند لحظة الاكتشاف والذي يعتبره هذا القارئ هو مفتاح القراءة.
في قراءتي لرواية لبثينة العيسى كنت أترك ملاحظات بسيطة على الهامش وأنا أقرأ في المستوى الأول للقراءة وحين أنهيت القراءة شعرت بأن الرواية تستحق قراءة أخرى. قراءة لما لم أنتبه إليه وأخرى لما تركته من كلمات على الهامش أو بمعنى آخر للكتابة الأخرى الموازية التي رافقت قراءتي الأولى.
عروس المطر بحاجة إلى مستويات متعددة من القراءة/الكتابة لتنوع الثيمات التي تركتها الكاتبة بوعي تام بين يدي القارئ/الكاتب. لم تكن الثيمات مغلقة أو مبهمة بقدر كونها ثيمات لا يمكن تفصيلها سرديا حتى لا تفسد كيمياء النص. سأحاول هنا سرد الثيمات التي سأناقشها في القراءة المفصلة وسأختار في هذا المقال ثيمة واحدة محاولا ألا أزعج القارئ باقتباسات تصلح للكتاب ولا تصلح للمقال.
الثيمة الأولى تتمحور حول علاقة الرجل بالمرأة تحت مفهموم النوع أو الجنس البيولوجي sex ومفهوم النوع كاختلاف سوسيولوجي أو Gender. لهذه الثيمة معادلتان الأولى مقبولة لدى الراوية والأخرى مرفوضة. فإذا رمزنا للرجل بالرمز «M» والمرأة بالرمز «F» تكون المعادلة المقبولة بهذا الشكلM=F أوF=M. أي أن تقترب العلاقة بين الاثنين إلى التكافؤ. ومعادلة أخرى مرفوضة بهذا الشكلM/F أو F/M وهي معادلة توحي بفوقية أحدهما واستلاب الآخر. أما المعادلة في عروس المطر فتبدو مقبولة اجتماعيا ودينيا ومرفوضة روائيا 1M/4F وهي فوقية رجل واحد على أربع نساء. ورغم خروج والدة أسماء من ذلك المقام بقيت أسماء تحت السيطرة المادية للرجل / الأب.
الثيمة الثانية تتناول علاقة المرأة/ المرأة أو F/F بين أبلة حصة وأسماء وهي علاقة شائكة تبدو على السطح هشة ولكن عمقها يتجلى في علاقتهما بالرجل الغائب عن المشهد الروائي والحياتي و الذي لم يتواجد إلا من خلال ما ترويه المرأتان لبعضهما. وهي ثيمة مهمة في النقد النسوي الذي رافق الحركة النسوية الثالثة في أواخر القرن الماضي وتجسد في ما سمي بخطاب الإسكات Silencing Discourse كردة فعل مباشرة لما مارسه الرجل على المرأة وخطابه لفترات طويلة فنيا وأدبيا نيابة عنها.
الثيمة الثالثة هي ثيمة جديدة في النقد ما بعد الحداثي والتي بدت في رغبة أسماء باصدار كتاب عن حياة أبلة حصة. لكن الكتاب هو في الحقيقة ليس أكثر من الكتاب الذي نقرأه عنها شخصيا بسرد الشخص الأول. إن محاولة ارتكاب الكتابة كفعل هو في ذات الوقت محاولة بحث في الشكل الأدبي للكتابة والذي لم يستقر كشكل أدبي genre ثابت كبقية الأشكال الأدبية الأخرى كالشعر والمسرح منذ باختين في الثلاثينات حتى اليوم. «راجع ص 81 في الرواية». من أشهر الروايات التي اعتمدت الكتابة كفعل مواز للسرد الحكائي رواية جاك بولين «فولكس واجن زرقاء.
* الثيمة الرابعة والأهم في الرواية هي ثيمة التناص الأدبي مع مجموعة غير معلنة من النصوص الفلوكلورية والـ fairytales الأجنبي منها على وجه الخصوص. ربما أشهر تلك النصوص نص اللحية الزرقاء blue beard في ص 118 والتناص الجميل مع رائعة توني موريسون العيون الأكثر زرقة في ص 132. «لا أقصد بالتناص هنا السطو على نصوص الآخرين كما أوحى بعض النقاد العرب لأنني أفضل استخدام مصطلح «تداخل النصوص» ترجمة لما عنته جوليا كريستيفا intertextuality.
الثيمة الأخيرة والتي فضلت تناولها في هذا المقال ليست الأهم في الرواية ولكنني أظن أنها ثيمة مهمة في الرواية الكويتية الحديثة وهي ثيمة النظرة أو البحلقة أو ما نسميه محليا «الخز» وأجنبيا the gaze.
منذ أن نشرت «لورا ميلفي» مقالها القصير والشهير عن متعة النظر في السينما والمقال يعد مرجعا للتحليل السيكولوجي للأدب والفن وأحد أهم المراجع في الأنثولوجيا النقدية الحديثة. سأعود لهذا المقال في قراءة الحالات المختلفة التي طرحت فيها الروائية اسقاطات تلك النظرة نفسيا واجتماعيا على شخوص الرواية.

مرحلة المرآة
يقدم لنا جاك لاكان العلاقة الأولى بين الإنسان والمرآة في مرحلة الطفولة. فقبل تلك المرحلة يعتقد الطفل أنه هو العالم وأن حدوده وآفاقه الذاتية غير متناهية. لكنه يصدم الصدمة الأولى حين ينظر إلى المرآة ليلتقي بنفسه للمرة الأولى ويرى أنه أكثر محدودية مما أعتقد. ينتقل الطفل بعدها من مرحلة المرآة إلى مرحلة الواقع. أسماء بطلة بثينة العيسى تلتقي وجهها في المرآة لتدرك كم هي صفراء ودميمة، ذلك الإدراك المتواصل جعل نقيضها في المرآة على عكسها تماما وإن كان ذكرا متخيلا. لقد بقيت أسماء الطفلة معلقة بصورة ما قبل المرآة حتى بعد إدراكها لما هي عليه حقيقة. لذلك جاء دور أسامة النقيض ليس كبديل للجنس الاجتماعي أو البيولوجي فقط ولكن أيضا كبديل لما تبصره أسماء كل صباح في مرآتها. إنه الآخر الذي تحب أن تنظر إليه بديلا لها. كانت الراوية واضحة وهي تبادله الاسم ذاته وتقدمه دون أن تلبسه الصفة الجنسية. بمعنى أنها ألغت إيحاء الكينونة الجنسية ـ بيولوجيا واجتماعياـ في عالمها الصغير. كانت تناديه «أسوم» ويناديها «أسوم» في اختيار غير عشوائي وإنما لابعاد أي ارتباك يمكن أن يفهم من حميمية اللقاءات بينهما ليس لأنهما توأمان فقط ولكن لأنهما ذكر وأنثى. هذا الإلغاء جعل القارئ يتقبل حميمية العلاقة بينهما والتعامل معهما ككائنين بلا جنس اجتماعي genderless.
إن نظرة أسماء إلى ذاتها جعلتها تتحاشى النظر إلى كل الأشياء التى يمكنها أن تبادلها نظرة بأخرى. «أعبر بخطى آلية، لا أرى شيئا لكي لا يراني أي شيء». إن استخدام الروائية للفظ شيء، وهو بالمناسبة توطئة للتشيؤ الذي سنناقشه بعد قليل، هو استخدام مقصود لتحول البطلة من إنسان إلى شيء object. ولكن أسماء بالمقابل لا تستطيع الهروب من سلطة النظرة لأبلة حصة. «إنها «أبلة حصة» لا تطل على الآخرين ولكنها ترانا كلنا». نظرة أبلة حصة هي نظرة من مكان ترى منه كل أولئك الذين يقعون تحت سلطتها. نحن نعرف أن أبلة حصة تنتمي إلى مؤسسة رقابية وموقعها الذي اختارته وترى منه كل شيء هو أشبه بمراقبة السجناء التي قدمها ميشيل فوكو في «المراقبة والعقاب: ولادة السجن». «البانبتكون» الذي صممه جيرمي بانثام «1748-1832» وناقشه فوكو هو برج حراسة يستطيع الحارس من خلاله مراقبة جميع السجناء ولا يستطيع السجناء أن يروا حراسهم. فالسجين يعتقد دائما أن الحارس هناك يترصده حتى وإن كان البرج خالياً. والكلمة التي اختارها بانثام للبرج تعني «أرى الكل». إحساس أسماء بأنها مرصودة دائما هو ما جعلها تترك المدرسة وتترك أسرتها لتنزوي في غرفتها.
إنها النظرة التي تجعل أسماء تختبئ من الآخر الذي ينظر إليها دون أن تحقق له النظرة متعة ما ولو آنية. أسماء تعلم أن النظر إليها لا يحقق المتعة المرهونة لها وللناظر إليها. ذلك يزعجها لدرجة أنها تترك دراستها والمجتمع الذي عليها أن تعيش فيه لكي لا ترى أحدا ولا يراها أحد. «لا أريد أن يراني الناس، لا أريد أن يراني أحد، ولا أريد أن أراني أنا». سأستعير هنا مقالة لورا ميلفي لبحث ما تحققه النظرة من متعة. لو لم تكن أسماء دميمة لحققت نظرة الآخر لها متعتين: الأولى متعة الناظر إليها وهي متعة مصحوبة بالرغبة والحلم، متعة التخيل بأن هذه الفتاة الجميلة التي ينظر إليها هي له حتى ولو لفترة لا تتجاوز في أمدها مدة النظر. إنها المتعة، برأي ميلفي، التي تحققها السينما للمرء حين يرى نفسه لساعات قليلة في الظلمة يحتل دور البطل/البطلة ويعيشها حتى اللحظة التي تخرجه منها أنوار الصالة. أما متعة أسماء المنظور إليها فهي إحساسها بأنها مرغوبة في حلم آخر يوازي حلم الناظر إليها وربما يمتد إلى زمن آخر تعيشه أسماء بينها وبين ذاتها. ولكن أسماء في الحقيقة تفتقد إلى الإحساس بالمتعتين ولذا هي لا تريد أن ترى نفسها.
إن المظهر الخارجي في مجتمع أسماء هو المفتاح الأول لأي علاقة. إن المرأة ليست سوى شيء يدل عليه ما يبين منه للناظر إليه. ففي مجتمع أسماء لا يستطيع الناظر أن ينفذ إلى الداخل دون أن يمر عبر الشكل الفيزيائي للمنظور إليه، الوجه تحديدا ثم بقية التفاصيل الممكنة أما النظرة الميتافيزيائية فهي خارج إطار القدرة. الصورة تتضح أكثر فيما يلي: «لا أذكر أن أحدا نظر في وجهي»، فإذا لم تتحقق متعة النظر إلى الوجه فلن تتحقق متعة النظر إلى الداخل. ورغم محاولات الأم في إضفاء جمال مفتعل إلى الوجه إلا أنها لم تنجح في تحقيق متعة النظر ولو لمرة واحدة. «الرجل الوحيد الذي جاء وجلس قبالتي لم ينظر إلي إلا مرة واحدة» خرج ولم يعد ثانية. يعادل تجاوز النظرة الأولى في حياة أسماء نجاحها في الانتقال من الحالة الاجتماعية والنفسية التي تعيشها إلى حالة اجتماعية ونفسية مناقضة تماما. النظرة الأولى في تلك الحالة لم تعد مجرد نظرة عابرة ولكنها الحالة التي ترتب كل شيء ويترتب عليها كل شيء.
البعد الاجتماعي للبحلقة
النظرة في العلاقات الاجتماعية شائكة وتنطوي على دلالات وإشارات مختلفة مقترنة بالمحيط الذي مورست فيه والغرض المطلوب لها أن تؤديه. إن النظرة هنا تختلف عن الكلمة أو اللفظ المنطوق. فالدال والمدلول، وهما عنصرا الإشارة في السيمياء، يختلفان بين النظر واللفظ. فلو نطقنا بكلمة شجرة كدال مثلا فإن المدلول هو صورة شجرة أي شجرة. أما مدلول النظرة فهو مرهون بالموقف الذي تجسدت فيه النظرة. سأقدم هنا مجموعة من الحالات المختلفة للنظرة في سياق الرواية.
في لقاء أسماء بزوجة أبيها وسمية، تقول أسماء «أسترق النظر إلى بطنها المدورة». إن أسماء هنا لا تنقل لنا هنا صورة امرأة حامل ولو أرادت ذلك لاكتفت بنطق الكلمة ولكنها تذهب أبعد من ذلك تاركة المجال مفتوحا للقارئ لتفسير تلك النظرة. ففي الوضع الاجتماعي الذي تعيشه أسماء قامت زوجة الأب بما يفترض أن تقوم به أم أسماء. لقد تزوجت من شخص هو بالأصل مسؤول عن زوجة وأبناء. إن النظرة هنا إشارة إلى عدم أحقية وسمية بالوليد الذي تحمله؛ الوليد الذي سيحمل اسم أبيها دون أمها ويشاركها حياة والدها ويسبب شقاء مضاعفاً لوالدتها ويقتسم مال الأب الذي تجلس الآن تنتظر جزءا منه وكأنها تتوسله. وفي الوضع النفسي للنظرة فإن دلالات النظرة قد تكون بعيدة عن الوضع الاجتماعي، فأسماء امرأة في السادسة والعشرين وهو سن يقترب من اليأس في مجتمعها، امرأة ليس لها أمل بالزواج وليس لها أمل أن تنتفخ بطنها كزوجة الأب. وربما لن يتحقق لها ذلك حتى وإن كانت زوجة ثانية أو رابعة. إن تلك النظرة المسترقة إلى البطن المنتفخ هي نظرة المرأة للمرأة بغض النظر عن كونها زوجة أبيها أم لا. فشابة دميمة وعانس تفتقد الثقة بأن تكون أمّا ستنظر بكثير من الأسى إلى امرأة متزوجة وحبلى. تتطور النظرة المسترقة بين أسماء ووسمية إلى نظرة أشد وطأة. إن أسماء تحدق الآن في بطن، «تراني أحدق في بطنها... أحدق/ تنهض». النظرة التي لم تكن تهتم لها وسمية أصبحت تزعجها الآن. وسواء كانت تلك النظرة ردة فعل اجتماعية أو نفسية لأسماء فإنها مرفوضة لدى وسمية. إنها نظرة تحمل إشارات الرفض الاجتماعي لوسمية والغيرة النسوية.
قبل الحديث عن الحالة الاجتماعية الثانية أذكّر بأن بثينة العيسى تدرك بوعي فني تقديم مستهل وتوطئة لهذه الحالة، فتنويعات النظرة والتحديق والبحلقة إشارات رئيسة في النسيج الروائي ولم تأت عرضا أو صدفة. ففي مقدمة فصل «موسم الغرس/سفر الثورة» تساءلت الراوية «ماذا يحدث للمرء إذا حدق في عينين جميلتين؟» وأكملت «هذا ما يحدث تقريبا: تشعر بالجمال يركض فيك دافئا شهيا، مثل خيط ماء ينزلق أسفل ظهرك، يرقص جسدك لوحده وتسمى رقصته القشعريرة». لن أضيف جديدا إذا قلت إن المشهد الذي فسر السؤال أعلاه هو مشهد حسي. مشهد تحولت فيه النظرة إلى محرض جنسي. سأستعير مصطلح «سكوبوفيليا» الذي اشتقته ميلفي من فرويد وكتابه «ثلاث مقالات حول الجنس» وسأحاول نقله من تطبيقات السينما إلى الرواية وعروس المطر كحالة لها خصوصيتها الاجتماعية.
إن الطريقة التي يتم فيها تعرف الرجل إلى المرأة التي تشاركه حياته تمر أولا عبر تقبل الأنثى الأخرى لهذه المرأة.
الأنثى التي تحتل بعينيها دور الرجل الراغب في الزواج. إنها أنثى غالبا ما تكون أما أو أختا كبرى ولكنها بالتأكيد أنثى تزوجت وتحتكم إلى خبرتها في ما يرغب الرجل في شريكته. هنا الرجل يقع في الظل تحت السلطة الاجتماعية النسوية ومصيره مرهون بالنظرة التي ستتبادلها المرأة/المرأة.
«لازم الناس تشوفك! انتي كبرتي». أسماء تدرك أن المقصود هنا هو ليس المشاركة البريئة لحياة الناس الاجتماعية ولكن عرض نفسها للأعين التي ستقرر مصيرها. رفض أسماء لتلك المبادرة كان له ردة فعل صاغتها بثينة العيسى بحرفة حين اختارت النقيض لهذه النظرة «أريد أن أنام، أغمض". ردة الفعل تلك توحي بإدراك الكاتبة للفعل ونقيضه في محاولة تبدو يائسة لصد التجربة النسوية القادمة في حفل العرس المرتقب، حفل العرس الذي يشكل قاعدة أخرى لحفلات أعراس قادمة تأتي كنتيجة حتمية لنظرات مختلفة على أجساد متفرقة. ما ترفضه أسماء مؤقتا هنا هو التشيؤ objectifying وهو تحويل المرأة ذات الكيان الإنساني والعقلي والعاطفي إلى شيء ينظر إليه وتقرر تلك النظرة مستقبله مع رجل مجهول لايمكنه حتى المشاركة بحفل العرس. إن المرأة لم تعد ذاتا يمتلك قراره واختياره وبالتالي وجوده.
«ربما تلمحني امرأة تبحث عن كنة تلائمها. كنة تنظر إلى الأرض طوال الوقت ولا تعرف كيف تضع المكياج على وجهها و...» سأذهب أبعد من ذلك، ليس زعما بأن الكاتبة تقصده ولكنها قراءة مرادفة لما قصدت، إن المرأة لا تبحث فقط عن كنة خجولة بنظرة. بل تتقمص شخصية الرجل الباحث عن زوجة فيجب أن تحقق لها النظرة المرسلة المتعة أولا. حفل العرس هنا هو العرض السينمائي والباحثة عن زوجة هي المتفرج ومتى ما استطاعت إحدى البطلات أن توصلها إلى حالة السكوبوفيليا أي التمتع الأقصى بالنظر كانت هي الزوجة المقبلة للرجل الغائب. بمعنى أكثر وضوحا المرأة الباحثة عن زوجة تستعير أعين الرجل للتوصل إلى فتاة ترضي حاجته الغريزية. إن النظرة في هذه الحالة يغلب عليها الطابع الحسي وذلك ما يفسر ارتباك الفتاة تحت وطأة هذه النظرة وانسحابها أو احمرارها على أقل تقدير وكأن الناظر إليها رجل ذو شبق. لذلك تفرق الفتاة بين نظرة بريئة لامرأة لا تـــريدها زوجة لأحـــد وأخــــرى تريدها.
السؤال الذي تركت بثينة العيسى إجابته للقارئ هو «هل تشعر المرأة وهي تنظر إلى فتاة بالمتعة الحسية فعلا؟» سأعود إلى نص الرواية مختارا أسطرا بعينها ولكنني لن أجيب على السؤال.
«عرس واحد يكفي ليحل كل شيء، لأن الأعين ستكون مشمرة ونافرة ومتوثبة و..» أسماء لم تكمل جملتها هنا ربما أنا أكملتها في مكان ما. «ينتهي هذا الفصل والحوار بين أسماء وزوجة أبيها هكذا:
«على فكرة أمه معزومة على العرس وفرصة حلوة تشوفك و...» وأيضا لم تكمل الجملة لكن الراوية علقت «شفتها حمراء مكتنزة، تفتح، تغلق، تفتح، تغلق بعيدا هناك في المكان الآخر».
أعتقد أن ذلك لا يحتاج إلى شرح ربما يحتاج إلى تهنئة بثينة العيسى.


العدد : 339
2012-01-18

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم