بين الكلمات همس.. وظلال!   الفائـــــــــــزون   أم...؟!   الرهــان   الذئـــب والجـــن   نصائح النصافي   أشجــــار قبــــل التاريــــخ   الرجــال أكثــر صلعــاً   الفضائيات العربية بين حداثة الصورة وارتداد الأفكار   المجنونة... أو البوغنفيليا المشرقة من خط الاستواء... إلى شمس الكويت   الأيديولوجيا ومناخ التواطؤ الجمعي فــي «ليل المدن القديمة» و«حلم كائن بسيط»   وكالات الأنباء والهيمنة على التدفق الإخباري   شُرُفاتُ المدينة والعالم   مسرح الشعب الكوميديا المرتجلة مسرح الدم والدموع   حصل على جائزة أفضل رسام في العالم الفنان أيمن المالكي.. عنـدما تبدع الأنـامل   نقد التسمية في الجغرافية الثقافية   حضارة تعود إلى منبتها   أغنيات للمكان: بين نار لذة الإقامة وجنة وجع الغياب!!   كما مرت الظبية المستبدة بالمسك   «الطبل الصفيح» رواية غونتر غراس الأولى بعد خمسين عاماً   في ندوتها السنوية «العربي» ناقشت الإبداع المعاصر نافذة التاريخ ورهان التجديد   عودة جيمس بوند   الوعي وتطور البنية الشعرية عند محمد الفايز   من الأمراض الشائعة:الصــــداع النصفـــي   ثورة قادمة في عالم الأسنان   أضرار الجوال...نصدق أو لا نصدق ؟!   أعربت عن إعجابها بأوبرا وينفري وداد رمضان: تخرجت في مدرسة ماما أنيسة   جرعة العنف الزائدة .. ورعاية فضائية مطلوبة   برامج المنوعات بين تلفزيون الكويت والمحطات الخاصة   تأليف مشعل السعيد وإخراج جاسم عباس «وهمــــــان» دراما إذاعية تدق ناقوس الخطر   صورة الجمال..أم جمال الصورة؟ الديموقراطية الجمالية ... علــــى طريقـــة الإعــلام   الغائب - الحاضر من زمن الغناء الجميل   الفصام مرض الشباب   هوامش يمانية : عن محنة اللغة العربية   واحة «الكويت»   خواطر وتأملات : محمد أركون واللغة العربية ومشاكلنا الراهنة!    ديوانية الإعلام : قناة العربي... و«تسونامي» الفضائيات


منير عتيبة

مسرح الشعب الكوميديا المرتجلة مسرح الدم والدموع

مسرح الشعب الكوميديا المرتجلة مسرح الدم والدموع

كانت كتابات الدكتور علي الراعي النقدية في المسرح تنتهج منهجاً مختلفاً عن غيره، فلم يكن يعنى بنقد الأعمال المسرحية من حيث إنها عمل أدبي، وإنما كعرض مسرحي متكامل، ولهذا فهو يركز على عناصر العرض الحوارية والأدائية والنقدية والسينوجرافية عامة مع التركيز على العنصر الدرامي. وقد حرص في ممارسته النقدية للمسرح القومي بوجه خاص إلى دراسة الأراجوز وخيال الظل والكوميديا المرتجلة والشخصية المهمشة في المجتمع.

كان تركيز د. الراعي دائماً على الدلالات الاجتماعية والوطنية في مختلف فروع الأدب، والتجليات المسرحية دون أن يعني هذه الدعوة لطغيان التوجهات الكلاسيكية بل على النقيض من ذلك، فنراه مدافعاً عن الميلودراما ويدعو شباب الكتاب ألا يترددوا في استخدام الميلودراما لعلاج القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يزخر بها عصرنا، وأن يوجهوا هذه الأعمال إلى جماهير الأقاليم والريف لتكون قريبة من قلوب الجماهير، فجعل هناك ثنائية بين المجتمع والفن، المضمون والشكل، القيمة والمعنى، الفكر والممارسة، العلم والأخلاق، القومية والإنسانية، وبين التفسير والتغيير. وكان يتابع ويستوعب بعمق ما ينشأ ويتجدد في العالم من علم وصراعات سياسية واجتماعية، وكان همه قضايا مجتمعه وأمته العربية، وجعل همه المسرح، وهموم المسرح همه.
الدكتور علي الراعي رحمه الله هو أحد الرواد الذين فجروا مرحلة من أخصب مراحل التاريخ المصري الحديث مرحلة الأربعينيات... التي كانت نقطة تمهيد للتفارق بين عهدين للسياسة والثقافة والبنية الاجتماعية في مصر، ونجده في الستينيات يزداد قرباً وحميمية من الشعب بتوليه مسؤولية المسرح، ويعمل على ازدهاره متواكباً ومتفاعلاً مع الموجة الصاعدة من المعارك الوطنية والاجتماعية في مجال الرواية المصرية والمسرح والترجمة والنقد.. لقد كان الراحل الدكتور علي الراعي نموذجاً ثرياً لحياتنا الثقافية والعربية ممن رسخوا الظاهرة المسرحية في الثقافة المصرية والعربية.
«مسرح الشعب، مجلد يضم ثلاثة كتب: الأول «الكوميديا المرتجلة» والثاني «فنون الكوميديا» والثالث «مسرح الدم والدموع» ضمن سلسلة الفنون ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب والكتب الثلاثة تتآزر فيما بينها لتعبر عن رؤية الشعب للمسرح.. وقد قال الدكتور علي الراعي: «إنه أعاد وطبع هذا المجلد لأنه تبين له من زمن أن الكتب الثلاثة وإن صدرت متفرقة في الزمان، وإنما يربطها رابط واضح هو أنها في مجموعها تعبير عن رؤية الشعب المصري للمسرح، فالكوميديا الهزلية والنمر الشعبية هي روح الشعب في الموالد والاحتفالات الاجتماعية والدينية والميلودراما هي نظرة الشعب إلى التراجيديا بأنواعها المختلفة، فقال: «لقد رغبت في أن أضم الكتب الثلاثة في مجلد واحد يحمل اسم مسرح الشعب تأكيداً لهذا المعنى ونأياً عن الفكرة القديمة التي يبثها مصطلح «المسرح الشعبي» بما يحويه من تهوين قدر طموح الشعب إلى أن يكون له مسرح».
الكوميديا المرتجلة
هذا الكتاب يبدأ بتقديم وتحليل لفنون الفرجة والارتجال والمحبطين ومسرح صنوع والمسرح الشعبي، ويقدم لنا نصوصاً من فصول «خيانة الأصحاب ـ البندق، ملعوب الكأس ـ الجزمجي اشكازي ـ النقاش ـ سعدون رأس الغول ـ خياطة وخياطة ـ باشكاتب الدايرة». والكتاب محاولة لإفساح المجال أمام الفن المسرحي كي يوسع من مساحته وقدرته وذلك بالإفراج عن الطاقات الحبيسة للممثل، ودفعه إلى أن يتعلم ويتقن وسائل أخرى للتعبير غير الأداء باللفظ والصوت... هذه الوسائل مثل الأداء بالجسد كله، والمشاركة الفعالة في بناء النص المسرحي نفسه في جلسات جماعية يحضرها فريق التمثيل وقائد الفرق «المخرج» والكاتب المسرحي بحيث يصبح العمل المسرحي هو عمل فريق كامل، لا يجذب المخرج أو الكاتب حبل قيادته نحوه وحده، ولا ينفرد بالظهور فيه من سمي بالممثل النجم.
إلى جانب ذلك سعى علي الراعي إلى إعطاء فناني الارتجال القدامى حقهم الذي طال إنكاره... هؤلاء الفنانون المستهان بهم هم الذين قامت الكوميديا الشعبية الحقة على أكتافهم. لقد كانت هذه الكوميديا هي الدعامة الأولى التي انتقل بفضلها المسرح الأصيل من مرحلة التعبير بالوساطة ـ عن طريق الدمى ومقصوصات خيال الظل ـ إلى مرحلة المسرح المصري البشري المكتوب، ويذكر أن فنان الارتجال السوري «جورج دخول» كان هو أول من حول بابات الأراجوز إلى التمثيل بالبشر فآثر بهذا تأثيراً كبيراً في التأليف الكوميدي الشعبي منه والرسمي كما أثر في كوميديا الريحاني والكسار، وإبراهيم رمزي، ومحمد تيمور وتوفيق الحكيم.
وننتقل إلى ما تعكسه نصوص مسرح الارتجال من تصور شعبي للمسرح كمكان للعرض ووسيلة له، ثم كنص يتوسل به لإقامة عرض مسرحي ناجح، ولا يعتمد عليه كلية في إقامة هذا العرض،، ويوضح مدى اعتماد فنان الارتجال على مسرح بسيط خال من التعقيدات، ركيزته الأساسية الإيحاء بالمهمات المسرحية البسيطة «موائد - مناديل - مقاطف - ملابس محمولة» ومن أمثلة النصوص تأخذ ما يجري في فصل خياطة وخياطة... نرى العاشق يجري من كواليس إلى كواليس وخلفه مطاردة نشيطة من والد الفتاة ومن كامل... أخيراً يضرب العاشق مطارديه فيقعان ويعملان تبلوه «أي يمكثان لحظات دون حراك على شكل لوحة فنية تمثلها في الوضع الذي انهيا إليها» ثم يدخل العاشق ويدق الباب، فيقف الأب على كرسي وينظر إليه مخيلاً للجمهور أن ينظر إلى العاشق من شباك علوي.
في الحقيقة هذه عودة اضطرارية إلى جوهر المسرح الذي يقوم في الواقع على التوجه إلى خيال الجمهور... حفز هذا الخيال الحركة بحيث يقوم بدور إيجابي في خلق الصور واستحضارها، بدلاً من الاعتماد على رسام المناظر ومهندس الديكور، فبدلاً من أن يوضع على المسرح شباك علوي يقول فنان الارتجال للجمهور تخيلوه! وهذه العودة الاضطرارية ليست هذا فحسب بل إنها جزء لا يتجزأ من تقاليد المسرح الشعبي التي تنبذ فكرة المتفرج السلبي المندمج فيما يشاهده، والمصدق «مؤقتاً وطول مدة العرض أن ما يجري أمامه حقيقة وليس خيالاً». إن هذه التقاليد تصرح علانية بأن ما يجري على خشبة المسرح هو لعبة ـ تحاول أن تجعلها جهد الطاقة لعبة مسلية ـ وتدعو الجمهور إلى المشاركة في هذه اللعبة، لذلك لا يقوم حاجز ما بين المنصة والصالة في المسرح الشعبي، ويصبح شيئاً طبيعياً أن يتدخل المتفرجون في العرض، بل إن الممثلين أنفسهم يسعون إلى هذا.
لقد اتخذ مسرح الارتجال من المسرح المكتوب موقفاً مزدوجاً، فقد اعتبره «جورج دخول» مصدراً لموضوعاته سواء في ذلك الهزلي أم الجاد، وهو في الوقت ذاته جعله هدفاً للمحاكاة الهزلية والسخرية، وقد اتخذ فنان الارتجال أن يستولي على نص متداول من المسرح المكتوب الجاد ليستفيد منه، ويدخل عليه بعض التعديلات مما يحقق غرضه، وهناك أمثلة أخرى بل أحياناً يسخر سخرية واضحة من المسرح الجاد ويحاكيه محاكاة هزلية، وقد أصبحت السخرية من المسرح الجاد جزءاً لا يتجزأ من تقاليد المسرح الساخر، ولا يأبه مسرح الارتجال بالمعقولية، ولا يهمه مزج الشرق بالغرب أو إقحام شخصية مصريةعلى حوادث غريبة، بل يسعى مباشرة إلى هدفه، كما نرى فنان الارتجال يصور الأكابر بصورة حافلة بالمفارقات لحياتهم تبعث على الضحك، ولا يستولي على موضوعاتهم، ولا أن يكرر في فصل بعد الآخر نمراً معروفة، يجد أنها تستثير الضحك دائماً، لقد اعتبر فنانو الارتجال موضوعات فصولهم ملكاً مشاعاً وحلالاً لكل فهم، فتجد فصل «الوزير الخائن» عند جورج دخول نجده أيضاً عند محمد كمال المصري «شرفنطح» والثاني طبعاً قد اقتبسه من الأول، ونجد «عفيفة» التي قدمها «جورج دخول» اقتبسها من القباني، وكما أن بعض الشخصيات في المسرح الارتجالي ثابتة فهناك أيضاً موضوعات ثابتة ونهايات للفصول ثابتة. إن مسرح الارتجال ـ بوصفه مسرحاً شعبياً ـ يحترم الحب والزواج، ونرى الدكتورعلي الراعي في نهاية الكتاب يضيف تطبيقاً عملياً لصيغة مسرح الوقائع، المسرح الذي يتفجر من قلب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويدفع بهذه الأزمات إلى خشبة المسرح، ويدعو الجمهور إلى اعتلاء الخشبة ليناقش ويمثل معاً، ويستعرض أحلامه وآماله وتطبيقاته، لم يعد حلماً، ولم تعد المسرحية مجرد تنبيه وتحذير، لقد أصبحت مظاهرة سياسية واجتماعية حقيقية تتجدد كل يوم ويؤلفها المجتمعون في الصالة جميعاً ما بين فنانين ورواد حتى يختفي منطق الفرجة، وتحل محله المشاركة لجعل حيوية التجديد، وتشجيع الجمهور للاشتراك في تصميم العرض المسرحي لتحويل المسرح السياسي إلى صيغة مسرحية نابضة بل ملتهبة، نستطيع من ورائها أن نضمن التدفق والأصالة الحقيقية لعروضنا المسرحية.
فنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني
يتعرض للمقامة ومسرح الأراجوز، ومسرح الأسواق والشوارع، ودخول يعقوب صنوع «موليير» على الطريقة المصرية، ومحمد تيمور والكوميديا الانتقالية، وأرليكنيو، والبربري عثمان، والريحاني الهزل يتحول إلى الكوميديا، ومولد الكوميديا الجديدة في تسعة فصول. ويضيف الراعي بهذا الكتاب بعد دراسته السابقة للكوميديا المرتجلة أرضاً رحبة للكوميديا المصرية المسرحية كلها منذ مصر المملوكة حتى هذه الآونة فيقول: «لقد عرف أرستوفان كيف يؤلف بين الفكر والفرجة في عروضه أيام مجد أثينا، واستطاع بلوتس أن يمتع جماهير روما القديمة بالعرض المسرحي الناجح القائم على القصة والفكاهة، واندمج فن موليير وشكسبير كل من المهرج والمفكر والشاعر، واستطاع المعلمان أن يجذبا لمسرحهما الناس من كل لون وصنف فأصبح فنهما قومياً... وفي بلادنا لم يأنف يعقوب صنوع من استخدام فن الأراجوز، أحياناً ـ لتدعيم مسرحياته، ووجد محمد تيمور أن كشكش ناجح فاستخدم بعضاً من أسلوبه ليصل بمسرحياته الاجتماعية إلى جمهور أعرض، وعرف الريحاني كيف يوائم بين الكوميديا الشعبية وكوميديا المثقفين.
«لا شيء يبرر انعزال كتاب الكوميديا المثقفين عندنا عن كوميديا الشعب، ومن ثم عن الشعب نفسه سوى عدم معرفتهم بالتراث الكبير، الذي تجمع للشعب في هذا المجال الفتان، ومن ثم أخذت على عاتقي هذه المهمة الثقيلة، مهمة أن أصل ما بين الكتاب المثقفين وبين تراث الناس في المسرح بأمل أن يتبينوا ـ كما أتبين أنا ـ أنه لا مستقبل حقيقي لكوميدياتهم ما لم تتصل أسبابها بفن الكوميديا الشعبية».
في الحقيقة أن الدكتور الراعي قدم بانوراما كاملة لفنون الكوميديا في مصر، تناول فيها بالتحليل الدقيق فن علي الكسار الذي لم يحظ من قبل بتقدير المثقفين من متفرجين ورجال مسرح ونقاد، كما وضع كوميديا نجيب الريحاني في وضعها الصحيح مبتعداًبها عن الآراء المتطرفة التي كان بعضها يسبغ صفة الفيلسوف على نجيب الريحاني، ويطالبه بتدريس فلسفته في الجامعات، بينما كان البعض الآخر يراه مهرجاً هزلياً أو مجرد ممصر لكوميديا البولفار الفرنسية.
وقد لفت الكتاب الانتباه إلى أهمية المقامة باعتبارها دراما في مرحلة الجنين، وطالب باستخدامها مادة لعروض مسرحية تكون أقرب إلى الوجدان القومي من الموضوعات المقطوعة الصلة بالتراث، ولفت النظر إلى أهمية عروض الشوارع مثل عروض فرق المحبظين والحواة، وتمنى أن يعنى الكتاب وفنانو المسرح بظاهرة «الزار» لما تتضمنه من بذور للدراما الطقسية المعرفية في كل من الهند واليابان وبلاد شرق آسيا عامة.
لقد دخلت المقامة المسرح، دخلته أخيرا بعد أن غازلته طويلا يقول الدكتور عبدالحميد يونس في كتابه خيال الظل «العدد 831 - سلسلة المكتبة الثقافية» «المقامة في أصلها أدب تمثيلي وأنها من القيام في دار الندوة إبان العصر الجاهلي» وإنها: «كانت تمثيلا مباشرا متواصلا يقوم به ممثل فرد» لقد كانت المقامة تعتمد دائما على الحضور وتستهدف التعليم والتسرية في وقت واحد، وكان هناك دائما مؤد ومؤدى إليه.. فنان وجمهور، ولم تنفصل المقامة قط عن الحضور، حتى في الطور الذي دفعها إليه «بديع الزمان» في المقامة المصرية ، «والحريري» حيث إن المقامة نص أدبي يعتد به، ولكنها في الوقت ذاته أدب حي قابل للتمثيل يجمع بين الأسلوب الأدبي المتأنق والتصميم الفني الدقيق إلى جوار الهدف الاجتماعي الواضح، وتؤثر فينا المقامة كيفما اقتربنا منها، إن شئنا قرأناها، وتخيلنا أحداثها، وإن أردنا جسدناها على المسرح بالتمثيل أمام الجمهور أو بالتمثيل المنقول في السينما أو التليفزيون والدراما فيها - من ناحية الشكل تعتمد على الأحداث المتوالية وليس على الحدث الواحد المتأزم المنفرج، ومن ناحية المزاج الفني والنفسي يمكن مقارنتها بما يعرف في تاريخ الدراما «بكوميديا الأمزجة» والتي تقدم دراسة كاريكاتورية مبالغا فيها.
لقد دخلت المقامة عن طريق خيال الظل، دخلته قاطعة حين كتب ابن دانيال في مقدمة «طيف الخيال» فيقول: «صنفت من بابات المجون... ما إذا رسمت شخوصه وبوبت مقصوصة، وخلوت بالجمع، وجولت الستارة بالشمع، رأيته بديع المثال، يفوق بالحقيقة ذاك الخيال». لقد ترك مسرح الظل أثرا باقيا على الكوميديا المصرية.. فقد تسربت بضع شخوصه وأساليبه الفنية إلى الفصول المضحكة التي عرفتها البيئات الشعبية في الريف والمدينة وخاصة في بداية القرن التاسع عشر، وقد تسربت الكوميديا الظليلة إلى فن الأراجوز الذي تبادل مع فنون أخرى أهمها الكوميديا الشعبية في المسارح ودور اللهو الأخرى. وفي مسرح الأراجوز يضيف الدكتور علي الراعي أن فن الأراجوز قد قام هو الآخر بنصيب لا يمكن إنكاره في هذا المجال، وساعد على ذلك سهولة تنقله، وقلة احتياجاته الفنية، وقبوله لللتمثيل في العراق، دون حاجة إلى إضاءة صناعية، وبالتالي أصبح في الإمكان مشاهدة ذلك الفن بالليل أو النهار. لقد ترك فن الأراجوز أثرا على الكوميديا المصرية كان أبرز مظهر له هو تحول الأراجوز من دمية إلى شخصية إنسانية.. حدث حين اكتشف «علي الكسار» شخصية عثمان عبدالباسط ممثل الشعب الخفيف الظل، الطيب القلب، الطويل اللسان، الذي يقول الحق دائما وأجره على الله..
ولننتقل إلى مسرح الأسواق والشوارع والأفراح ومن هذه العروض الاحتفال بشهر رمضان، وزفة الأخرس التي تقام في أواخر شهر شعبان في الإسكندرية، وعروض القرداتية والحاوي وهذه كانت تصحبها مظاهر تمثيلية طريفة وما زالت بقاياها تشاهد حتى الآن، وكذلك فن جماعة المحبظين، وهو فن متجول، وقد حفظ لنا التاريخ نماذج من أعمالهم أقدمها يرجع عام 5181، ونرى أيضا الدراما الطقسية «الزار» وهي تشكل ظاهرة مسرحية حيث يؤدى فيها رقصة تطهيرية أو تخليصية لا تنتهي إلا وقد استنفدت المربوحة طاقتها وتخلصت من همومها.
ويستعرض الدكتور علي الراعي رحلة يعقوب صنوع وإنجازه في حقل الكوميديا الشعبية واستخدامه الهزل والفكاهة الراقية ويوضح قدراته الفائقة على إدارة الحوار بلغة عامية أصيلة في واقعيتها. ويقول عنه: «إنه بحق أبو العامية المصرية في المسرح» ويستطرد الدكتور علي الراعي بوصفه لمحمد عثمان جلال بأنه موليير على الطريقة المصرية، فبعد اختفاء مسرح صنوع عام 2781 يتقدم محمد عثمان جلال في العام التالي بتمصيره الشهير لمسرحية موليير «تارتوف» الذي أطلق عليه اسم الشيخ متلوف ثم يخطو من بعد لتمصير مسرحيات أربع أخرى هي: «النساء العالمات - مدرسة الأزواج - مدرسة النساء - النبلاء» فيقدم بهذا خدمة كبرى للمسرح المصري، أول مظهر لها هو تحقيق ذلك الاتصال الحيوي الذي تحتاجه الحركات المسرحية كي تنمو وتزدهر، فلم يمض وقت طويل على اختفاء صنوع، وتمصيرات محمد عثمان جلال، حتى أخذت مسرحيات موليير المصري تعرف طريقها إلى المسرح وقد سلك هذا الطريق بعد جلال كل من بديع خيري ونجيب الريحاني لكوميديا انتقادية ممصرة. ونرى مسرح علي الكسار يعج بالطوائف الشعبية المختلفة ما بين غسالات وكناسين وبائعين وحمارين وغيرهم من طبقات المجتمع الدنيا، وقد سمح لهم الكسار بعرض أنفسهم أولا ثم عرض شكواهم ووجهة نظرهم فيما يحيطهم من أحداث.
إن هذا الانحياز للشعب وتصوير بعض مشاكله هو الذي جعل الشعب يرى نفسه في مسرح الكسار.
وفي عام 2391 أراد الريحاني أن يدعم الخط الكوميدي الانتقادي الذي بدأه بقوة في بعض مسرحياته فقرر أن يتخلص منه بعد أن حفل بشخصيات غربية ولهجات متنافرة، وانغماسه في قصص الحب غير المشروع وحياة الليل والرقص.. إلخ أن يتجه من فوره إلى لب الكوميديا الانتقادية بلا تحابيش!
وحتى النهاية ظلت كوميديا الريحاني أمينة لنشأتها الأولى: في حضن المسرح الشعبي، وعن طريق إحكام الربط بين الكوميديا الشعبية وكوميديا الجماهير العريضة المنقولة من فرنسا وعن طريق شيء من النقد الإجتماعي غير الثوري، استطاع بديع خيري ونجيب الريحاني أن يقدما عددا كبيرا من المسرحيات أمتعت الناس وبهذا اتصل تيار الخلق الكوميدي ولم ينقطع، وهو التيار الذي قدم نماذج ناضجة من ابن دانيال، وكفاح يعقوب صنوع فكريا حتى استطاع أن يعيده إلى الحياة في عصرنا الحديث. وفي ختام هذا الكتاب يستعرض لنا مولد الكوميديا الجديدة على يد نعمان عاشور عام 1591 عندما كتب «حياتنا كده» والتي سميت فيما بعد «المغناطيس» فقد أدارت الكوميديا الجديدة ظهرها للكوميديا الشعبية القائمة على تقاليد الكوميديا دي لارتي، وكان من أثرها - الكوميديا الجديدة - زيادة العمق الفكري والفني معا ونأت عما ألفه الناس من شخصيات وحوادث وموضوعات واعتمدت في نجاحها على قوة الفن والفكر فقط دون الاستناد إلى تراث الأجيال.
مسرح الدم والدموع
هو الكتاب الثالث في المجلد وقد خصصه الدكتور علي الراعي لدراسة الميلودراما المصرية والعالمية، وهو دعوة لتفهم فن الميلودراما على حقيقته بعيدا عن التحيزات التي يبديها متحذلقو المثقفين، فتجده يستعرض التراث المصري والعالمي لأول ميلودراما مصرية لاسماعيل عاصم، وفرح أنطون ويقدم نماذج مختلفة للميلودراما.
يقول الدكتور الراعي: «إن الميلودراما» تتأرجح بوضوح بين فن المسرح وبين الفنون القولية الموروثة، وهي تحاول جاهدة أن تكسر إطار المقاعد والحكاية وتسعى إلى شكل أكثر فاعلية منهما وهو المسرحية، وهي تبذل جهدا واضحا لتنتقل من مفاهيم العصور الوسطى للحياة والناس إلى مفاهيم أكثر عصرية تتناول الجذور العميقة للمجتمع بالفحص والاختبار».
إن هذا الكتاب تجاوز النظرة المحدودة التي كانت سائدة آنذاك والتي رأت الميلودراما مدللا عليها بنصوص مصرية لتعلن عن ميلاد الميلودراما الاجتماعية وتطويعها لخدمة المجتمع.
وهكذا نجد أن الكتب الثلاثة أسهمت في تحرير العرض المسرحي من استبداد كل من المؤلف أو المخرج بالعملية المسرحية، وكذلك من طغيان نفوذ الممثل النجم، وذلك بإعلاء فكرة روح الفريق وإعطاء كل الجماعات البشرية التي تتعامل مع المسرحية في مناقشتها ومحاولة تفهمها.. صفوة القول أن هذا المجلد جدير بأن تقتنيه مكتبة كل مثقف نظرا لما يحويه من أصالة وعمق في التعبير عن رؤية الشعب للمسرح وترسيخ الثقافة المسرحية، وهو في جملته متعة للنفس ولذة للفكر.


العدد : 306
2009-04-01

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم