الطبيعة حين تكتب.. الإنسان حين يعبث   مولود... للخلود   كلمات مضئية   أول شهيد في المتقين   المركز العلمي الكويتي في سنته العاشرة: معلم وطني بارز في ذاكرة الكويتيين   الإعلان والمدينة.. انطباعات مجموعة صور   هل للديمقراطية أيديولوجيا؟   الدول والمجتمعات في عالم متغير   في نقد الذات غير المبرأة من تأزيم المشهد وإعتامه صراع الديكة المكرور والحاجة إلى أحزاب ثقافية!   في «الخروج إلى التيه» الاتكاءات السردية على البنية الزمنية   العمارة القديمة في الفنون التشكيليّة موضوع أثير لعشقٍ لا يتعب   افتتحه الرئيس المصري ... وروسيا ضيف شرف الدورة الثانية والأربعين معرض القاهرة الدولي للكتاب   سواحل الكويت رحلة علمية في البيئة والطبيعة   تحفة سينمائية من توقيع الإسباني اليخاندرو أمينبار «ايجورا» يبرئ ساحة المسلمين من تدمير مكتبة الإسكندرية   عندما تجد المرأة خلاصها في المونودراما ثلاث صور للثورة ضد القمع والاضطهاد   أوراق   ناجي... أيها المدهش!   الشاب الظريف... شاعر البديع وكل طريف   وجاءت شهرزاد (مَلْحَمة)   الرموز الخمسة في الزخرفة الإسلامية   حلم   أخو مريم جابر العيش سياسة حكيمة وتقديرات صائبة   مهرجان الكويت الرابع للإبداع التشكيلي ... دعوة صريحة للتغيير والتطوير   إشراقة شمس زرقاء   تكوين الأسراب والهجرة في عالم الأسماك   الأغذية المعدلة وراثياً   مواقف الإنسان: تكونها وتغيرها   رئيس فريق عمل «مساء الخير يا كويت» حمود الخالدي: نتعامل مع ديمقراطية مسؤولة   وأخيرا الأرض «بتتكلم» عربي .. من باب (الموضة) كله في سبيل الدبلجة يهون!   الواقع منقولا على الهواء...!   السينما الفرنسية تتراجع والتلفزيون مدعو للتسيُّد   الأغنية الفضائية..و صناعة الوهم الجميل الأساطير في متناول العين!   عصر «الواوا» وشرائط الانتحاريين!   «افاتار»... ومسؤولية الجمهور   وزير الإعلام: بعض قطاعات الوزارة بحاجة إلى إعادة تنظيم وهيكلة   المالك: نحرص على التعاون مع وسائل الإعلام العربية   في إطار أسبوع ثقافي كويتي سوري فعاليات فنية وثقافية وأمسيات غنائية لوزارة الإعلام في دمشق   انتهى المخرج من تصويره أخيرا «وعد لزام» على الفضائية الكويتية في رمضان المقبل   الانتصار على الجغرافيا   أخلاقيات الاغتيال   في رثاء المجلات الثقافية الراحلة   ذات الحذاء الأحمر..أنا !   المجتمع المدني في دول مجلس التعاون التفاعل والحراك المتدرج   نهاية العلم   لول ((LO..L ))


سليمان القرطاس

الشاب الظريف... شاعر البديع وكل طريف

الشاب الظريف... شاعر البديع وكل طريف

لم يحظ الشاب الظريف «ت 886هـ» بالشهرة التي حظي بها أقرانه في ذلك العصر، ولكن ذلك فيه ظلم كبير له، فهو من الشعراء المبدعين وشعره غاية في الرقة والخفة وحسن  الوقع على السمع،  ورغم أنه مات شابا عن عمر لم يتخط السابعة والعشرين فقد خلف ديوانا شهد له الكثير بالجودة والطرافة.

 

هو شمس الدين بن عفيف الدين. هو محمد بن سليمان التلمساني، قد غلب عليه لقب الشاب الظريف فأصبح لا يعرف إلا به، كان مولده في القاهرة سنة 166هـ ثم انتقل مع أبيه إلى دمشق، ولا نعرف عن حياته الكثير لا عن شيوخه ولا عن تفاصيل حياته، لذا حرت في أمره وقادني الفضول وحب الشعر إلى قراءة ديوانه فإن كنت لا أعرف حياته لأن كتب التراجم لم تسعفني فأقل شيء أن أتعرف إلى إبداعه فهو ما زال محفوظا حيا بين دفتي كتابه.

ما قيل في حقه...

قال الصفدي في كتابه «الوفي بالوفيات» شاعر مجيد ابن شاعر مجيد. لكنه وصفه بالخلاعة والمجون والسبب في ذلك كثرة أشعار الغزل في ديوانه.

وقال عنه ابن تغرى بردى صاحب النجوم الزاهرة: كان شابا فاضلا ظريفا وقال أحمد أمين: والشاب الظريف شاعر غزل، خفيف الروح، أولع بالبديع كأهل زمانه، ولكنه استعمله في رقة وعذوبة.

وقال محمود رزق سليم: أنه ترك شعرا دل على ثقافة أدبية محمودة، ودل على نهج في أسلوب الشعر رقيق حتى استحق لقبه بذلك.

ويدافع محقق ديوانه وهو الأستاذ شاكر هادي شكر عما نسب إليه من المجون فقال: «ولقد حكم البعض على شاعرنا بأن فيه انخلاعا ومجونا وذلك مما ورد في ديوانه من مقطعات صغيرة معظمها لا يتجاوز البيتين أو الثلاثة تجاوز فيها حدود اللياقة التي يقف عندها الشيوخ الأتقياء الورعون، والذي يتراءى لي إن كل ما ورد في الديوان من هذا القبيل مطبوع بطابع الهزل و أنه قد نظم جله - إن لم نقل كله - ارتجالا في مجالس سمره مع لداته، بقصد التفكهة وإظهار المقدرة الشعرية».

شعره وإبداعه

كل ما قيل عن شعره فهو فيه، فانظر إلى هذه الأبيات التي يمدح  يقول فيها:

إن شكا الطرف باكيا طول ليل

قلت مهلا ليل الشتاء طويل

يا كثير الإحسان إن كثير المـ

ـدح فيما حويته لقليل

لا تلمني إن كنت قصرت في المد

ح فعذري عند الورى مقبول

هل يحيط الإنسان منك بوصف

فيه يفنى المنقول والمعقول

أما أشعار غزله فكثيرة جدا حتى يخيل إلى القارىء أنه يقرأ ديوان الغزل ومن أجمل ما قال:

أتراك بالهجران حين فتكت في

قلبي علمت بما يجن فتكتفي

عاهدتني ألا تخون ولمت في

طلبي وفاءك بالعهود ولم تف

أنا صابر بل شاكر في الحب إن

أخلفت عهد الوصل أو لم تخلف

إني لأنأى معرضا عن عاذلي

إن عاد لي أوعن فيك معنفى

قد جار جار الحب في قلبي ولم

أر في الصبابة من صفا منصف

فانظر إلى جمال وخفة هذه الأبيات وهو يتلاعب بالبديع وبالحروف والكلمات ليرسم لوحة ناطقة بمشاعر فياضة تجاه من يحب، ومما زاد طرافة هذه الأبيات.

جمعه بين كلمتين مختلفتين في المعنى متحدتين في النطق وذلك قريب من الجناس التام وذلك مثل قوله «فتكت في» وهو فعل وحرف جر لكنه أشبه الفعل في آخر البيت «فتكتفي»، وكذا قوله «ولمت في «تبعها ولم تف»، وذلك مما يدل على براعته اللغوية والفكرية ومهاراته البلاغية التي تزيد الشعر جودة وتميزه عن باقي الشعراء خاصة أنه لم يبالغ في البديع إلى الحد الذي يطغى على المضمون، ولم يفسد عليه ذلك التلاعب اللغوي شعره.

وقال مازجا بين الغزل والنحو:

يا ساكنا قلبي المعنى

وليس فيه سواك ثاني

لأي معنى كسرت قلبي

وما التقى فيه ساكنان

ومن أعجب المواضيع التي تناولها بيتين غاية في الإيجاز مع الإبلاغ في من يأكل الحشيشة يقول:

ما للحشيشة فضل عند أكلها

لكنه غير مصروف إلى رشده

صفراء في وجه خضراء في فمه

حمراء في عينه سوداء في كبده

وهو بذلك يعكس لنا أن في القرن السابع الهجري كان يعرف تعاطي المخدرات فهو ليس بظاهرة حديثة كما يظن البعض، ولكنها بأية حال ظاهرة تدعو إلى التكاتف من أجل القضاء عليها وهذا ما جعل شاعرنا يقبح متعاطيها ويصف له سواد كبده وصفار عينيه وذهابها بعقله وقد أحسن الوصف وإيصال الفكرة في بيتين فقط.

ومن أبياته الجميلة التي تحمل شيئا من الموعظة قوله:

خذ من حديثي ما يغنيك عن نظري

فإنه سمر ناهيك عن سمر

كم من أب قد غدا أما لمعشره

فاعجب لإعطاء لفظ الأم للذكر

وناطح بقرون لا قرون له

وكبش قوم بنقل العليم مشتهر

وكم نظرت لوجه ليس في بدن

وكم سمعت بصخر ليس من حجر

ولابس وهو عار لا رداء له

كسوته أطلساً من أخشن الشعر

فإنك لما تقرأ هذه الأبيات تظن لو أن شيخا كبيرا أخذ منه الدهر وأعطاه الكثير ومر بتجارب عظام لكي يكتب تلك النظرة المتعمقة في الحياة غير أنه كما علمت صغير السن ولكنه أبداً ليس بصغير العقل والفكر.

ومن بين هذه الأبيات تتجلى قصيدة من أشرف قصائده وأعلاها منزلة وأجودها مضموناً ذلك لأنه يمتدح فيها أكرم إنسان خلق، وخير بشير وجد، رجل أحبه الكثير أكثر من أنفسهم وأولادهم وأموالهم وبحبه يدخل المرء منا الجنة وببغضه يغضب الله الخالق الوهاب، من يكون غير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المبعوث رحمة للعالمين، وهي القصيدة الوحيدة في ديوانه التي مدح فيها المصطفى يقول في أولها:

أرض الأحبة من سفح ومن كثب

سفاك منهمر الأنواء من كثب

حياك يا تربة الهادي الشفيع حيا

بمنطق الرعد باد من فم السحب

وفي آخرها يقول:

يا خير ساع يباع لا يرد ويا

أجل داع مطاع طاهر الحسب

ما كان يرضى لك الرحمن منزلة

يا أشرف الخلق إلا أشرف الرتب

لي من ذنوبي ذنب وافر فعسى

شفاعة منك تنجيني من اللهب

ويرى محقق الديوان أن هذه الأبيات في مدح النبي تنم عن إسلام صحيح وإيمان راسخ، ولا يتضح من شعره ما يدل على مذهب سواء أكان المذهب الشيعي أو المعتزلي أو غيره ولكنه يرجح أنه كان  شيعياً لأن أباه عفيف الدين التلمساني اشتهر بتشيعه مع قوة إيمانه وحكمته.

وأخيراً فهذه قطعة أدبية متقنة يصف فيها شهاب الدين بن فضل العمري «ت947هـ» شعر الشاب الظريف ببديع الألفاظ يقول:

«نسيم سرى ونقيم جرى، لم يأت إلا بما خف على القلوب، وبريء من العيوب، رق شعره فكاد أن يشرب، ودق فلا غرو للقضب أن ترقص والحمام أن يطرب، لزم طريقة دخل فيها بلا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان... وأكثر شعره، لا بل كله، رشيق الألفاظ، سهل على الحفاظ، لا يخلو من الألفاظ العامية وما تحلو به المذاهب الكلامية فلهذا علق بكل لخاطر، وولع به كل ذاكر».


العدد : 318
2010-04-18

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم