ذاكرة الإنسان.. ذاكرة الكتاب   برقيات إلى غزة   باقة ورد   رائد أدب الأطفال... عبدالتواب يوسف   هل تخرج الثقافة العربية من عباءة التسييس والجماعة؟   الصحابي سعد بن أبي وقاص   مأزق الحب في «بلو فالنتاين»   لا قاتل ولا مقتول   العلم العابر للحدود   منافسة درامية   مطلوب سينما بعيدة عن الحرب... قريبة من الناس   الإعلام الجديد..منابر التواصل ومنارات التفاعل   الفنان راشد الخضر... صانع النجوم   «روائع برودواي» في دار الأوبرا المصرية   لجنة لوضع ضوابط الإنتاج   من أجل علاقات إيجابية بين الغرب والعرب مركز كويتي في خدمة المغتربين   د. يوسف زيدان: الثورة المصرية حرقت روايتي الجديدة   ثورات شبابية في حب الوطن: النوخذة الكويتي الذي دار حول العالم!   في ظلال الحرم   الشاعر ممثلاً   متحف أم كلثوم زيارة لوجدان أمة (2-2)   تجميل الحياة بمخلفاتها   ابن زيدون على مسرح معاصر   لعبة اللغة ولعبة المعنى في أوجه المكعب الستة   عم خيري شلبي العُمــــدة   أمراض الكبد عند الأطفال   برامج «التوك شو»... حلبة للمهاترات أم فسحة لإثراء الحوار؟   مهرجان المسرح التجريبي.. الإعلان عن سقوط تأخر   الفائـــــــــــزون   الديوانية، و الديوانية الكونية في الكويت   تقبل التهنئة يا يوسف   الكويت تسأل:   القلب الناصع مفسدللصفقات   محاولة أخيرة إلى محمد جابر النبهان   نفحة من الإشراقات الصوفية   ماذا سيفيد الشاي في مأساة هذا الـ... حنين؟   دقائق في صحبة «العم» عبدالعزيز البابطين

ذاكرة الإنسان.. ذاكرة الكتاب

انتهت قبل أيام قليلة أيام معرض الكويت «السادس والثلاثون» للكتاب، أو انتهت ما يمكن أن نسميها أيام مهرجان الكتاب بكل ما حفلت به من أنشطة ولقاءات ثقافية. ومن تابع أيام المعرض سواء في هذه السنوات أو السنوات السابقة



أسعد النوبي

الديوانية، و الديوانية الكونية في الكويت

الديوانية، و الديوانية الكونية في الكويت

ربما الكويت هي الوحيدة بين دول الخليج العربي التي طورت فكرة الديوانية في النصف الأخير من القرن العشرين، تطويرا يناسب الوضع السياسي والإقتصادي والاجتماعي الكويتي. كانت الديوانية «المكان المخصص للقاء العام» مقتصرة في النصف الأول من القرن الماضي على توافرها في البيوت الكبيرة، وخاصة العاملة بالتجارة وصناعة الغوص ذات الفائض المادي الذي يؤهلها للإنفاق على شؤون الديوانية، حيث تمثل امتدادا للنفوذ والسلطة، كما تمثل مكانا لتبادل الآراء واستقبال العاملين في المشروع أو المشاريع التي تقوم بها الأسرة، أو حتى تستخدم كمضيف لمن يأتي من المتعاملين من الخارج. وكانت لها وظائفها المتعددة، فهي مكان للقاء العام، وكانت أيضا مكاناً لاستقبال الضيوف وكثير منها يوجد به قسم خاص للنوم والسكن أو يكون النوم في نفس الديوانية، حيث لم يكن ثمة فنادق في ذلك الوقت في الكويت أو منطقة الخليج. كانت خلية اجتماعية فاعلة ومتفاعلة، حتى أن أول انتخابات في الكويت، قبل الدستور، كانت تجرى في الديوانيات الكبيرة. إنها مكان للقاء الاجتماعي . تغير الأمر رويدا حتى أصبحت ديوانية حديثة، يحرص كثيرون على أن تكون ملحقة بالمنزل، بعد السعة الاقتصادية التي شهدتها الكويت منذ استخراج النفط. في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي توسعت أغراض الديوانية، فزادت من حيث الكم ومن حيث تبدل الأغراض المستخدمة، فأصبحت مكانا للنقاش السياسي، ومكانا لنقل المعلومات ومكانا أيضا لاستقبال المعزين من جهة في الضراء و استقبال المهنئين في السراء. لم يبق تقريبا منزل في الكويت إلا وله ديوانيته الخاصة، صغر هذا الديوان أم كبر. وأصبحت العائلات الكبيرة والميسورة تبني ديوانيات خاصة مستقلة عن المنزل، بل ربما بعيدة عن مكان السكن، ثم أصبح للديوانية قواعد متعارف عليها منها المواقيت المعروفة للجميع مسبقا التي يستقبل فيها ، وبعضها خاص للأصدقاء فقط من أجل القيام ببعض النشاطات المشتركة. بل وحتى النساء أصبح لهن إما ديوانيات خاصة أو يغشين بعضهن ديوانيات الرجال في المناسبات، كالتهنئة برمضان، خاصة بعد أن نشطت المرأة الكويتية في العمل العام والسياسي على وجه الخصوص. يمكن أن توصف الديوانية الكويتية كونها جزءاً من مجتمع مدني، حيث يعرف المجتمع المدني أنه ذلك التجمع من المواطنين غير الرسمي الذي يقع بين الدولة كمؤسسة وبين الأسرة كمؤسسة أخرى. إلا أن الملاحظ الاجتماعي يرى أن شكل الاتصال «الديوانية» فرض نوعا من العلاقات الاجتماعية ، بدأت تتغير اليوم في الكويت بظهور ما يمكن تسميته بالديوانية الافتراضية. اليوم تغير الحال أو هو طريقه للتغيير، لقد ظهرت تجمعات أخرى يمكن أن تسمى بالتجمعات الافتراضية، هي اللقاء على الفيس بوك والتويتر وغيرهما من وسائل الاتصال الحديثة، التي ربطت بين مجموعات بشرية ليس في الداخل الكويتي وبل أيضا من الممكن أن تكون خارجه، أو بين كويتيين يعيشون في الخارج، كي يتبادلوا المعلومات والإشاعات والأخبار، كما تفعل الديوانية، دون أن ينتقلوا من مكانهم. هناك مميزات لهذه الديوانيات الجديدة لم تكن موجودة في السابق ولم يكن بالمستطاع وجودها، وأقصد بها استخدام الأسماء المستعارة. فإن تكن الديوانية القديمة قد رسخت عددا من مظاهر السلوك الحضري، أي أن تداول أعراض الناس جد محدود، بل ومكروه من الكافة، كما أن الأشخاص الذين يغشون الديوانية التقليدية معروفون للجميع في الغالب، وإن قدم زائر غريب وجب عليه تعريف نفسه لأصحاب الديوانية، كل ذلك مصفوفة قيم اعتمدتها العلاقات الاجتماعية في الديوانية على مر الزمن وأنتجت نوعا من النسيج الاجتماعي بدأ يتغير الآن. في الديوانية الافتراضية لم تتبلور مصفوفة القيم بعد، أو ربما لن تتطور بشكل ايجابي. رغم أن البعض يستخدم الديوانية الافتراضية « الفيس بوك والتويتر» استخداما حضاريا وايجابيا، بحيث يكون معروفا للكافة، اسمه وموقعه. ولكن البعض يختبئ خلف أسماء مستعارة أو يكني نفسه بكنى مختلفة، بل إن البعض يستعير أسماء وصورا أخرى لمشاهير، قد يكون هذا التخفي لأسباب اجتماعية أو قد يكون من أجل أهداف سلبية. مثل هذا المجتمع «الديواني» الافتراضي له إيجابياته وله أيضا سلبياته. من الإيجابيات أنه يربطك بالآخرين دون عناء الانتقال من مكان إلى آخر، وهي سريعة في التواصل، بل ويمكن تأليف مجموعات لدى المتواصلين لهم اهتمام خاص بموضوع معين، كما أن من الإيجابيات الحجم الكبير للمتواصلين فبعضهم يصل إلى الآلاف وبعضهم إلى عشرات الآلاف من المتابعين و المتدخلين. من السلبيات استخدام القول الفاحش من البعض تحت غطاء سرية الأسماء أو طرح الإشاعات السامة وقتل الشخصية المعنوي، خاصة الشخصية العامة أو الاستهزاء بآخرين مختلفين من حيث الاجتهاد السياسي أو الاقتناع الديني أو المذهبي. لقد دخل على الديوانية الافتراضية بعض أشكال المتاجرة، فأصبحت هناك إعلانات مباشرة أو غير مباشرة لخدمات أو سلع، بل لبعض الخدمات التي يمنع القانون البوح بها في أي وسائل اتصال أخرى. يعلمنا علم الاجتماع أن التغيير في وسائل الاتصال يغير أيضا في العلاقات الاجتماعية وفي النسيج الاجتماعي للمجتمع، والديوانية الافتراضية تفعل ذلك بقوة اليوم في الداخل الكويتي وفي الخارج. فهي تقوم بالدعوة للاجتماعات العامة، وبتمرير الأخبار في وقت واحد من أكثر من جهة. الديوانية الافتراضية وسعت كثيرا من القدرة على التواصل من جهة، وقللت أيضا من استخدام الديوانية التقليدية بين أفراد المجتمع. تصوري أن هناك انقلاباً في المجتمع الكويتي حدث أو سوف يحدث بسبب هذه الديوانية الافتراضية فهي تغير من العلاقات الاجتماعية وتعزل وتوصل بعض أفراده. فهي تعزل أبناء الأسرة الواحدة من التواصل الإنساني فيما بينهم، وهي تقوم بالتواصل بين الجنسين مثلا في الوقت الذي تمنع التقاليد هذا التواصل العلني الاجتماعي المباشر. لقد تغيرت المجتمعات عندما اخترع الراديو، ثم تغيرت عندما اخترع التلفزيون، واليوم تتغير المجتمعات كما لم تتغير من قبل، بسبب هذا التواصل الذي تخلقه وسائل الاتصال الحديثة، خاصة الإعلام الإلكتروني الحديث العابر للحدود والناقل لتلاقح الثقافات واندماجها. هذه الديوانية الكونية سوف تؤدي إلى تغيير من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في بلد مثل الكويت - من بين دول كثيرة- وسوف تصبح لها منظومة قيم جديدة فيها البعد العالمي والجماهيري، وتسعى إلى تغيير جذري في النسيج الاجتماعي وقواعد اللعبة السياسية.


العدد : 337
2011-11-22

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم