... ويبدأ عام جديد!   ملك المفرقعات العالمي   طيور لا تطير   الرهان على العلم   الأندلس فصول في الحب ... والحرب   لمحات من تاريخ ميناء العقير في الأحساء   علي المقري في «يحدث في النسيان» الآخر ... وعقدة الوحدة   اليهود في الخليج التاريخ والمسيرة   الـفــــــــــول يقوي الذاكرة.. ويحقق السعادة   ملامح عامٍ من الإعلام المرئي   أعطِ الخبّاز خبزه...   «مقهى ريش»... و«أوبرا القاهرة» نموذجان المكان كبطل في السينما التسجيلية   على شواطئ البوسفور: بين المطاعم والمقاهي العثمانية   سكينة الكوت تدعو إلى نقد علمي يرفد العملية الإبداعية   كسر التابو... والتباسات المعنى وما ورائيات الوجود   احتفالية وطنية في عاصمة المال والجمال   صناعة التعدد اللغوي في محكي   ما الذي يحدث حين يتوافد الجمهور ويقام العرض؟   أمام مشهده... الشمس والقمر يبكيان!   الفنون التشكيليّة العربيّة المعاصرة همُّ المواجهة وقلق الانتماء   دور اللعب في النمو العقلي عند الأطفال   الاكتئاب الهرموني   الالتزام والنجومية في... «البجعة السوداء»   منال عمران: ليس في تراثنا ما نخجل منه..   سر خلود السينما ونجومها   أنغمار بيرغمان آخر عباقرة جيله الرجل الذي طرح أسئلة صعبة   التلفزيون الوحش المرعب الذي حذر مخترعه من وجوده!   سهرات جديدة لنجوم الطرب   بنت بطوطة!   الفائـــــــــــزون   الوجه الرمادي من وسائل الاتصال الحديثة   العبث   من دفتر أحوال الثورة   الكويت تسأل   إنه صعب وعسير   سمراء   على حافة... النهار   الوجه الآخر للصورة: كاميلا وتشارلز أيقونة العشق الأبدي   وردة   مستعمرة الفئران   محو «أمية» الإعلام

... ويبدأ عام جديد!

كل بداية، سواء كانت بداية مشروع أو سنة أو رحلة، تمتلك نكهة خاصة تختلف عما ألفنا في الأيام السالفة، أي تختلف عن المسار الذي تتخذه الأيام والأحداث، أو ما ينتهي إليه. أشياء كثيرة تحدث بين البداية والنهاية، إلا أننا نؤخذ عادة بالبداية كما نؤخذ بالنهاية



د. أسامة أبوطالب

دور اللعب في النمو العقلي عند الأطفال

دور اللعب في النمو العقلي عند الأطفال

ليس اللعب في حياة الطفولة، مجرد حركات عشوائية ونشاطات عبثية خالية من أية أهداف أو مضامين غنية، كما يعتقد البعض، بل إنه نشاط إنساني شديد الأهمية في حياة الطفولة ولا سيما المبكرة منها (السنوات الخمس الأولى)، لأنه يعد وسيطا تربويا في تشكيل شخصية الطفل وبنائها من الجوانب الحسية والحركية الاجتماعية، الانفعالية، العقلية، والمعرفية، ويؤدي إلى حصول تغييرات نوعية في التكوين السيكولوجي (النفسي) والاجتماعي والمعرفي فضلا عن كونه كما يعتقد الكثير من علماء النفس منطلقا للنشاط التعليمي والتربوي الذي سيسود لدى الطفل لاحقا، بما يحدد معالم الشخصية الناضجة من النواحي كافة، وهذا معناه أن اللعب من هذا المنظور، ينطوي على تجارب وخبرات تساهم مساهمة فعالة في تشكيل معالم الشخصية الناضجة انفعاليا واجتماعيا وعقليا.

انطلاقا من أهميته الكبرى في حياة الطفولة، حظي اللعب لدى الأطفال باهتمام وافر من قبل الفلاسفة والمربين وعلماء النفس الذين أخضعوه للتفسير العلمي التجريبي ولم يقتصروا في التعامل معه على أفكار مطلقة ورؤى نظرية عامة، فشهد على أيديهم تطورات واسعة، في الحقب الأخيرة، أدت إلى تعزيز نشاط اللعب وتنقية ما يعتريه من سلبيات، وتوجيهه واستثماره في عملية التعلم والبناء المعرفي بطريقة انتقائية فاعلة للوصول إلى الشخصية الناضجة علميا ومعرفيا على النحو المراد، وهذا ما نراه عند «أفلاطون، ديدرو، جان جاك رسو، شيلر، هيغل، هال، فرويد، بافلوف، ثوراندايك، اريكسون، فيجو تسكي، اسكنر، منتسوري، بياجيه، باتسون..».
وغيرهم كثير من المربين والفلاسفة وعلماء النفس.
ولعل جان بياجيه «j.piaget» من أكثر علماء النفس الذين أخضعوا اللعب للتفسير المنطقي العلمي والبحث التجريبي الدقيق، مسلطا الضوء على دور اللعب في النمو العقلي والمعرفي لدى الأطفال، فوجد، بعد تجارب واعية معمقة، أن اللعب يرتبط ارتباطا وثيقا بمراحل النمو العقلي لدى الطفل، فلكل مرحلة نمو عقلي ألعابا خاصة بها، ويختلف أسلوب التفكير العقلي والعمليات المعرفية والعقلية المرتبطة بها في كل مرحلة اختلافا كميا ونوعيا، مستنتجا من ذلك أن اللعب في حقيقة الأمر يعد مقياسا لنمو وتطور الطفل العقلي والمعرفي، وهذا معناه عندنا كأولياء أن عدد الألعاب التي يلعب بها أولادنا ونوعيتها ليس شيئا اعتباطيا لأنها تدلنا على مستوى التفكير والمحاكمات العقلية التي وصلوا إليها وتدعونا بالتالي لاتخاذ المواقف المناسبة.
والحقيقة أن بياجيه يركز في نظرته هذه، على عمليتين أساسيتين متكاملتين ومتداخلتين تختصران النمو العقلي والمعرفي كله لدى الأطفال هما:
- التمثل «Assimilation»: الذي ينطوي على تغير أو تكيف المعلومات الواردة إلى عضوية الطفل من الخارج «عبر اللعب طبعا» لتصبح جزءا من العضوية نفسها، من تكوينها أو بنيتها المعرفية الداخلية، وبمعنى آخر تدخل الأفكار والمعلومات التي يحصلها الطفل من خلال اللعب إلى داخله الفكري والمعرفي تتكيف معه وتصبح جزءا لا يتجزأ من بنيته المعرفية والعقلية، لذلك تنمو وتتطور هذه البنية لمواجهة المراحل اللاحقة من حياة الطفل نفسه.
> المطابقة «Accommodation»: تنطوي على تكيف عضوية الطفل من الداخل مع معطيات العالم الخارجي «الأفكار والمعلومات والخبرات المتحصلة من اللعب»، أي أن العضوية في هذه العملية هي ذاتها التي تتغير وتتكيف من أجل أن تتطابق معلوماتها ومعطياتها الداخلية الموجودة لدى الطفل أصلا، مع المعطيات الواردة من العالم الخارجي عبر اللعب طبعا.
وانطلاقا من علاقة هاتين العمليتين وحالهما يتحدد حال عضوية الطفل ونموه العقلي والمعرفي؛ فعضوية الطفل تكون متكيفة سوية في حال توازن هاتين العمليتين بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، وأما إذا حصل خلل ما ولم تتمكن عضوية الطفل من تحقيق التوازن، فهذا يعني أن المطابقة تسود وتسيطر وتتغلب على التمثل، وعضوية الطفل في هذه الحال تقوم بعملية محاكاة للآخرين، أما اللعب فيتيسر للطفل عندما تتغلب عملية التمثل على المطابقة، حيث يتم التلاؤم بين الانطباع الجديد «القادم من اللعب»، والخبرة السابقة، وفي هذه الحال يغير اللعب المعلومات المكتسبة لتتلاءم مع متطلبات الطفل ذاته.
وعلى هذا النحو يكون اللعب والمحاكاة جزأين متكاملين ومتممين لعملية النمو العقلي، وهما ينموان ويتطوران مارين بمراحل النمو العقلي نفسها التي حددها بياجيه فيما يلي:
1 - المرحلة الحسية: من الولادة حتى عمر سنتين، لا يستطيع الطفل هنا أن يميز بين ذاته وألعابه، وتكون وظيفة اللعبة «الدمية مثلا» جلب اللذة للطفل، فهو يضربها مثلا لتصدر أصواتا محببة.
2 - المرحلة التصويرية «مرحلة ما قبل تشكيل المفاهيم»: من عمر سنتين حتى 7 سنوات، وفيها يميل الطفل إلى تكرار الأنشطة اللعبية، وبالتالي تتكرر الأفعال والاستجابات على مستويين رمزي وتمثيلي، الطفل يكيف واقعه وألعابه لحاجاته وأغراضه الخاصة ويعمد إلى تكرارها لتزيد من خبرته.
3 - المرحلة العيانية التشخيصية «مرحلة المفاهيم الإجرائية المشخصة»: من عمر 7 سنوات إلى 11 أو 12 سنة، يؤثر اللعب في النمو هنا تأثيرا كبيرا، حيث يقوم الطفل بالعملية وعكسها، ويكون اللعب رمزيا إيهاميا؛ فهو يلعب بقطعة القماش المعقودة بشكل معين على أساس أنها طفل ليبدأ بمحادثته واللعب معه، كما يحتضن دميته أو ينفر منها، على أساس من رموز عيانية مشخصة مشكلا بذلك بعض المفاهيم الإجرائية وبعض السلوكيات المحكومة بقواعد رمزية وقوانين اجتماعية، «لكل لعبة قوانين إجرائية متفق عليها اجتماعيا».
4 - مرحلة التفكير المجرد «تشكيل المفاهيم المجردة»: في هذه المرحلة تحل الألعاب «ذات القواعد المتفق عليها اجتماعيا» محل اللعب الرمزي الإبهامي، وينتقل الطفل هنا إلى المبادرة والسيطرة على ألعابه وإخضاعها بدلا من الخضوع لها، وبذلك تترسخ لديه المفاهيم المجردة وتتعزز ملكات التفكير العقلي المنطقي «محاكمات، استقراء، استدلال، استنتاج..».
نستنج مما سبق أن اللعب يشكل شيئا جوهريا وأساسيا في النمو العقلي والمعرفي عند الأطفال؛ إذ يمده بكل أسباب التشكل والصيرورة ومن ثم الاستمرار والتطور عبر مراحل النمو كلها، ولذلك لا يمكن أن نتصور نموا عقليا سليما في مستويات ناضجة منتجة طفلا لا يشكل اللعب شيئا جوهريا في حياته التلقائية، وهذه الفكرة على درجة كبيرة من الأهمية التي يجب أن يدركها الآباء والأمهات وأولياء أمور الأطفال في بلادنا العربية، كي يبادروا جميعا إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة حيال لعب أطفالهم، والتخلص من الأفكار السلبية القديمة التي أثبتت الدراسات التربوية والتجارب البحثية المعاصرة عدم صوابيتها تماما.
لذلك يجدر بنا أن نقول لكم أيها الآباء والأمهات وأولياء الأمور بثقة: دعوا أطفالكم يلعبون بكل حرية وتلقائية وسلام، بل بادروا إلى اللعب الممتع معهم لو أردتم ذلك، إذا ما أردتم لأطفالكم الحصول على نمو معرفي وعقلي سوي يتسم بالنضج والصحة والإبداع، وهذه مجموعة من النصائح المهمة التي تساعد أطفالكم على اضطراد النمو العقلي واكتساب المعارف والمهارات وتشكيل المفاهيم، ونمو الأجهزة الحسية والحركية والإدراكية المختلفة، وصولا إلى التميز والإبداع:
1 - توفير الجو الآمن والمطمئن للعب، مع الحرص على استقبال لعب الأطفال بابتسامة محببة بعيدا عن النهر أو السخرية أو الاستهجان.
2 - تشجيع الطفل على حسن التفاعل والتعامل مع ألعابه، والاقتراب من العالم المتخيل المشخص الذي يرسمه الطفل لألعابه.
3 - اختيار ألعاب تنطوي على مثيرات ومواقف وموضوعات متنوعة كما ونوعا، كي تستثير في نفس الطفل حب التساؤل والاستقصاء والتجريب والاستنتاج والتفكير.
4 - توسيع بيئة الطفل من خلال اصطحابه في جولات ونزهات ورحلات إلى الحدائق والأماكن الطبيعية والتاريخية وغيرها.
5 - حث الطفل على استخدام خامات البيئة لأغراض اللعب ولصنع الأدوات التي يمكن أن يستخدمها.
6 - تشجيع الطفل على ممارسة الهويات التي يفضلها ويبدع فيها كالرسم والزخرفة والقص والفك والتركيب وغيرها.


العدد : 339
2012-01-18

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم