المثقفون العامون وحيوية الذاكرة   الزراعة في الكويت... حـالــة تحـدٍ   توريقات : صحوي قبل الصحوة   إضاءة ... تنوير : مجمع اللغة العربية واللغة الرابعة   شذرات ثقافية : مصطلحات نقدية   مقاربات : قراءة في فكر محمد أركون «1 - 2»   أيَّ طريقٍ نَتَّبع؟ : من الاختلاف إلى التواصل (3 - 3)   أيَّ طريقٍ نَتَّبع؟ : من الاختلاف إلى التواصل (3 - 3)   الأدب والعالم : الشعر بين التطهير والتعليم   الدنيا فن : الصحوة البيضاء   حديث الشيطان مقابلات مع سبعة طغاة   يصنّف اليوم كأحد المعالم التراثية في الكويت   والنخلَ باسقاتٍ لها طلع نضيد   الميكروبيوم البشري أنـــــا ونفســــي ونحــــن   لوحة تشكيلية خالية من الحكمة   سبعون عاماً من المشهد الإماراتي متماهية مع المعطيات العالمية   لم يقفوا عند حدود الفتوحات واستوعبوا الحضارات الأخرى   يعمل على العزلة «ومتلازمة الإنهاك المعلوماتي»   المــــواطنـــــة عقلنة القلب   الحقوق والواجبات في علاقة المواطن بالدولة في تحولات مفهوم المواطنة   كارثة الغزو ومفهوم المواطنة    الوحدة الوطنية الكويتية جذور راسخة وقيم تاريخية متأصلة   تتمثل في العلاقة الفاعلة بين الأفراد والدولة القومية   ظهر في النظام الدولي منذ بداية الدولة القومية في أوروبا مفهوم المواطنة والمسؤولية المجتمعية   هموم وتطلعات الشعراء الشباب الكويتيين   بين موت المؤلف وموت القارئ هل نشهد قريباً.. موت الكتاب?   النّسَق الاستعاري في (ساق البامبو)   مروا على وجع المواسم   الطاووس   الشوكلاتة طعام الآلهة والرهبان   المشرف العام على محطة O FM الشبابية...   محنة الفيلم السوري   مسرحية «ميموزا الجزائر» أقدام سوداء...أقدام بيضاء   مهرجان كان الدورة 76 قراءة متأنية   تواصل السياق الإعلامي   العمارة والفنون البيئية تكامل الدور وانسجام العلاقة   الشوق والاغتراب في عصر المتغيرات   عنترة بن شداد العبسي   الفائـــــــــــزون   من بديع القول   الكويت تسأل   من أطايب القول

المثقفون العامون وحيوية الذاكرة

لا ريب أن جزءا مهما من النشاط الثقافي وبخاصة في ميدان النشر يتشكل من المثقفين العامين، فهؤلاء لديهم القدرة على تقديم الأفكار والمناهج للقارئ غير المتخصص على نحو يسير وسلس يتفادى التعقيد والمعاضلة. وهؤلاء بعملهم هذا، إنما يشكلون حلقة وصل



محمد فواز خلف

الأقواس والقباب في العمارة الإسلامية حلول هندسية.. وتعبير عن هوية

الأقواس والقباب في العمارة الإسلامية  حلول هندسية.. وتعبير عن هوية


تتجلى عبقرية العرب والمسلمين الفنية في المباني والعمائر المدنية مثل تجليها في المساجد والأبنية الدينية، بل لقد أضفى المسلمون طابع الفخامة على كثير من المنشآت ذات الأغراض المدنية العادية، كالمدارس والدكاكين والفنادق، والمارستانات، ومواضع الاستراحة أو الخانات على طول الطرق التجارية، والحمامات وأسبلة المياه في الشوارع، وحتى مخازن البضائع الكبيرة المعروفة بالوكائل0
لهذه المرافق أنشئت واجهات ضخمة وزخارف فخمة، واستخدمت فيها أحدث أساليب الإنشاء وأدق الحيل الفنية المعروفة، كما هو الحال مثلا في الخانات أو منازل القوافل الفخمة التي بنيت في الأناضول في القرن السابع الهجري. ولسنا بحاجة لذكر بديهيات عن وظائف الأسواق ومنشآتها من خانات وقيساريات..إلخ كذا عن وظائف الحمامات والبيمارستانات والخوانق والمساكن ونحوها0 ورغم كون تلك الوظائف تخدم أغراضا عملية، إلا أن منشآتها اكتسبت طابعا جماليا عن طريق التنوع البارع في المعالجة التي أصبحت أساسية ونموذجية. لقد أكسب الفن الإسلامي تلك العمائر مسحة جمالية مرموقة تظل أشكالها الجوهرية من أخص خصائصها وأبرز صفاتها وإذا كانت روح الإسلام قد أعطت تلك العمائر فكرا جماليا ذا مسحة روحية؛ فإن تلك المسحة لم تنزع عنها النكهة الحسية الحية والمثيرة للتأمل والتخيل.
في هذا تتجلى عبقرية الفنان المسلم عبر التاريخ والقادر على التمثل والاستيعاب لفنون الحضارات السابقة ونفخ الروح الإسلامية فيها وإضفاء طابع متميز للإسلام في هذه العمارة الجديدة. ولا أدل على عبقرية المسلمين في العمارة من قدرتهم على توفير المرونة اللازمة فبالإضافة إلى المعنى التاريخي لمسجد الصحن ذي الأعمدة، كانت له دلالة أخرى، ذلك لأن المسلمين عندما ركزوا جهودهم على تنظيم المساحة الداخلية للمسجد بحيث تناسب الحاجات المتغيرة لجماعة في طور التوسع، جعلوا من المسجد منشأة ذات مرونة ظاهرة وذلك بفضل بساطة تكوينه التي أتاحت إمكانية توسيعه أو تضييقه.
أما البيت العربي التقليدي، فمتشابه في عمارته في شرق البلاد العربية ومغربها، فهو ذو واجهات صماء خالية من النوافذ، ولا يكاد يتبين المرء روعة العمارة والزخرفة فيه، إلا بعد أن يزور ويدخل إلى صحنه ليرى بنفسه فسحة سماوية واسعة تتوسطها بحيرة يتدفق الماء إليها من ينابيع برونزية بأشكال حيوانية، وتزين هذه الفسحة أشجار الليمون والنارنج وتحيط هذه الفسحة السماوية غرف عديدة قد يصل عددها إلى الثلاثين غرفة، وترتفع جدران الغرفة إلى أكثر من خمسة أمتار يغطيها سقف من الأعمدة الكبيرة التي تحمل ألواحا ملونة، وتكتسي الجدران أحيانا بزخارف رائعة تندمج فيها أبواب الخزائن التي تحفظ فيها أشياء كثيرة من الفرش والملابس. وتنفتح هذه الغرف العديدة على الصحن لتمتع الناظر بمشهد الصحن من جهة وبدفء الشمس ونورها من جهة أخرى.
وأبرز هذه الغرف هو الإيوان، أي الغرفة العالية السقف، يبلغ ارتفاعه ضعفي سقف الغرفة وينفتح هذا الإيوان كليا على الصحن يزينه من الأعلى قوس كبير مزخرف بطريقة «الأبلق» وهو حشوات من ملاط معين على حجر أو جص محفور. أما القاعة فهي صالة الاستقبال الكبيرة ، وتمتاز بسقفها العالي وبأرضها المختلفة الارتفاع، إذ إن مكان الجلوس يرتفع عن مكان الاستقبال، وقد تكون القاعة مؤلفة من جناح واحد أو جناحين أو ثلاثة أجنحة ويطلق على الجناح كلمة«طراز» وهي تركية الأصل.
وتغطي جدران القاعة زخارف خشبية ملونة ونافرة فيها صور نباتية وزهور وفيها لوحات لمشاهد مدن وبساتين، وفي القسم المنخفض من القاعة بحيرة صغيرة يتدفق الماء فيها باستمرار، يأتيها من أعلى بعد أن يسقط على سلسبيل يزين أحد الجدران. أما نوافذ القاعة العليا فهي ذات زجاج ملون أو معشق يعكس ألوانه الزاهية على جدران القاعة فيزيدها بهاء ورونقا.
أبناء البيئة
ولا يمكن أن نغفل استغلال الفنان المسلم للمـواد المعــمارية الموجــودة بوفرة في البيئة، وهذا نجده واضحا في الأبنية والقصور والمساجد التي أنشأها الفنان المسلم في الجمهوريات الإسلامية الواقعة جنوب الاتحاد السوفيتي سابقا مثل تركستان وما وراء النهر وإيران وأذربيجان وأفغانستان. فمن غير المنتظر أن يتخذ نشاط البناء والإنشاء المعماري فيها كلها طرازا واحدا ذا هيئة واحدة متميزة بخصائص واضحة.
وإنما الرابطة هنا تتمثل في خصائص تفصيلية تتصل بالمواد المستعملة والطرق الفنية التي لجأ إليها المعماريون في علاج المشكلات المعمارية، وكذلك في أنواع معينة من الزخارف التي سادت فيها.قال برنار بيرتسون في خطاب إلـ «جون ديريك»: «إن طبيعة الصخور هناك تمكن المعماري من إنشاء مبان تشبه الجواهر في دقتها وإحكامها. وبالفعل فإن خامات الصخور التي أنشئت منها المباني السلجوقية بديعة في صلابتها واستجابتها للنحت والزخرفة في آن واحد. والنتيجة أن الصخور وحدها مــكنت المعــماري من إنشاء أعمال ذات متانة وجمال، فالجدران والبوابات والأعمدة والعقود متينة محكمة، والمزخرف ينقش فيها ما يشاء في إحكام ودقة، وألوان هذه الأحجار طبيعية متنوعة، تكفي وحدها لإخراج صور فنية جميلة ذات ألوان. وقد كان ذلك معينا للبناء والمزخرف على ابتكار «صنعة خاصة» وصل بها إلى ذروة حقيقية من قمة الإبداع المعماري على مر العصور.
وقد أبدع المعماريون في استخدام هذا الآجر في البناء والزخرفة على نحو لا يضارعه فيه إلا الفنانون الأندلسيون، الذين استخدموا الآجر في بناء منشآت الطرازين المستعرب والداجن الأندلسيين. والقبة في العمارة الإسلامية رمز للسماء، وخاصة في عمارة المساجد والأضرحة، فمبنى المسجد يعبر عن انفتاحه في اتجاهين بتصميمه وتكويناته المعمارية في الاتجاه الأول رأسيا للاتصال بالسماء وللاتجاه الثاني أفقيا نحو الكعبة المكرمة للاتصال بكعبة المسلمين، وهو بذلك قد حقق الرمز باتصاله بالسماء على مستوى الجماعة بوساطة في فكرة التسامي إلى العلا في عمارة الجامع بالمئذنة.
ومما لاشك فيه أن القباب القرطبية كان لها أعظم الأثر في إلهام الفنانين الفرنسيين في منطقة أبل دي فرانس إلى الحل المعماري الفريد الذي تكشف عنه القباب القوطية عندما وفقوا إلى فكرة دمج الضلوع القرطبية في القبوة المتعارضة عن طريق دعم الأجزاء البارزة من هذه القبوة الأخيرة بإدخال نظام الضلوع المتقاطعة الصلبة. ولم يلبث هذا الابتكار أن طبق في تغطية مسطحات واسعة بالكنائس عوضا عن مواضع ضيقة محصورة.
وهنا ينحصر عنصر الإبهار في إدراك المعمار المسلم لأصول الجمال الناشئ من تشابك الضلوع وتقاطعها هندسيا حيث تؤلف شكــلا منمنما متناسقا، وعبر المقري التلمساني في كتابه «نفح الطيب» عن هذا الإبهار بقوله: «وظهور القباب مؤللة وبطونها مهللة، كأنها تيجان رصع فيها ياقوت ومرجان».
قباب معاصرة
من هنا لم يكن غريبا أن يأتي المعماري القدير «حسن فتحي» بعبقريته المعمارية في منتصف القرن الماضي ويستغل تلك الحلول الفريدة التي تقدمها القباب، فكانت الزوايا والأسقف المحلية أو المقببة التي استعملها في عمارته عنصرا رئيسيا أو العنصر الرئيس الأوحد في تغطيتها، حيث يرى لها مزاياها الفريدة، فهي تعكس أكبر قدر من أشعة الشمس، كما توفر قدرا من الظلال والظل، الأمر الذي يخفف من الأحمال الحرارية في الداخل ومن ناحية فإن هذه الأبنية أو القباب تعمل على زيادة ارتفاع الجزء الأوسط من السقف من الداخل الأمر الذي يساعد على امتصاص الجو الحار الذي يرتفع إلى أعلى، كما أن حركة الهواء تزيد على الأقبية والقباب.
وقد نجح المهندس الكبير «حسن فتحي» المصري في استغلال القباب في عدد كبير من المنشآت التي أقامها، وكان يود تعميم هذا التصميم، في كثير من المدن والقرى المصرية والعربية لمناسبتها لأجواء العالم العربي الحارة. ذات الشمس الساطعة طوال العام.إن أبسط جملة يمكن أن نلخص بها أفكار «حسن فتحي» هي تلك الجملة التي كان يرددها دائما «إن منزل أبي كل خطوة فيه لها معنى.. ومنزل العم سام كل خطوة فيه ثمنها دولار».
لقد كان يهدف إلى إعادة تأصيل فن العمارة، في اتجاه التأكيد على شروط وظروف الحياة الآن. إن تغطية المنشآت الإسلامية بالقباب، وإقامة المساند على أقواس أو عقود هو تقليد محلي قديم يرجع إلى حضارة وادي الرافدين التي كانت أول من ابتكر هذا النوع من التغطية والذي اقتضاه عدم توفر الحجارة الضخمة وضرورة ارتفاع السقوف والأروقة لتخفيف وطأة الجو الحار.
ولقد برع أهل الشام بإقامة الأقواس والقباب في العهود الكلاسيكية، وكان منهم مختصون تولوا هذه الطريقة في التغطية على الأبنية الرومانية، واستمر هذا التقليد ساريا في الأبنية البيزنطية وتكفي زيارة قرية البجوات بالواحات في مصر والتي بناها المسيحيون في القرن الرابع الميلادي، حيث أقاموا أكثر من مائتي منزل وكنيسة بأيديهم من مواد محلية هروبا من اضطهاد الرومان. وهي بنايات صغيرة كانوا يتخذونها للمعيشة وكمقابر أيضا، ولوجودهم في الواحات الصحراوية، وهي بدون أخشاب، فتم بناؤها بالطوب، هذه القباب اعتبرت أيضا إحدى الطرق الفرعونية في التغطية كمعابد الرامسيوم، كما استعملت في مساكن النوبة. ثم تبنته المنشآت الإسلامية وخاصة في بناء المساجد والأضرحة والمدارس.
سر القبة
وتعتبر قبة الصخرة «61هـ» من أقدم نماذج القباب الإسلامية، إلى جانب قبة قصير عمره، التي ترجع إلي عام 714م تقريبا. والشيء الجديد في تطور القباب التي انتقلت عن التقليد الرافدي، هو طريقة وصل القبة بالجدران المربعة، ولقد تم ذلك عن طريق مقعرات مثلثية أو عن طريق الأركان، وإن المرء ليتساءل هل كان الفنان «ميكيل أنجلو» يعرف شيئا عن قبة الصخرة، لكنها شأنها شأن المباني العديدة من المباني العربية العظيمة الأخرى التي اعتمدت على التنويع على موضوع القوس، تقف مصدرا للإلهام والتحدي، وعندما نذكر «حصن الأخيضر» المقام في القرن السابع الهجري في أواسط العراق، ناهيك عن العمارات العباسية الرائعة التي لا تزال بقية منها قائمة في بغداد بما فيها من تراكيب للإيقاع البصري المبنية على القوس، فإننا نجد المزيد من التبرير لهذا الهوس الخلاق بالقوس في تخطيطات الفنان العربي.
وتأتي عبقرية إنشاء القباب وجعلها حلا معماريا رائعا لكثير من المشكلات البيئية والهندسية من كون القبة في حقيقتها قوسا تم استخدامه بمهارة رائعة في العمارة على مر العصور وأحسن المسلمون استخدامه وتوظيفه بنائيا ورمزيا. وقد اكتشف «ليونارد دافنشي» في بداية العصر الحديث «عصر النهضة الأوروبية» سر القبة عندما قال: «إن القوس ما هو إلا قوة يسببها ضعفان اثنان»، لأن القوس في المباني يتكون من قطعتي دائرة، وبما أن كلتا القطعتين ضعيفة جدا بحد ذاتها، وتميل إلى السقوط، وبما أن الواحدة تقاوم سقوط الأخرى، فإن الضعيفين يتحولان إلى قوة واحدة.
وتعتبر قباب قرطبة أقدم أمثلة القباب ذات الضلوع المتقاطعة، وإلى مهندسي الحكم المستنصر يرجع الفضل بلا شك في ابتكار هذا النوع من القباب الذي أحدث ظهوره ثورة هندسية كبرى في العالم الوسيط، فمن قرطبة انتشر استخدام هذا النوع من القباب والقبوات في المساجد الجامعة في المغرب والأندلس في عصر الطوائف وعصر دولتي المرابطين والموحدين ووصل في جامع تلمسان وفي رباط تازي إلى الإسراف الزخرفي، واختلطت الضلوع الزخرفية البارزة بالمقرنصات اختلاطا مذهلا في مبنيي الأختين وبني سراج في قصر الحمراء.
عودة إلى الطين
لم يكن حسن فتحي مفتونا بالأشكال الحديثة، ورفض العمارة التي لا تكون فطرية ونابعة من أهلها، وذات الجذور التي تتحرر من التكنولوجيا العامة أكثر من الإنسانية العامة، بمعنى أن فن العمارة هو من أجل الإنسانية، وهكذا كانت وظيفته في الحضارة الإسلامية، وأن البشر ليسوا كائنات لا تتغير، ويحتاجون إلى فن عمارة يجب أن يتجاوب ويلبي احتياجاتهم النفسية والثقافية كما يلبي احتياجاتهم الطبيعية والفسيولوجية.
لذلك عارض عناصر «العالمية» التي كانت تحاول أن توحد العالم فى نموذج عام للحياة مشتق من التكنولوجيا العامة، وذهب بعيدا في معارضته للأنماط الغربية، متمسكا بتراثه الثقافي الذي كان يعتبره جزءا هاما من شخصيته0 وعارض العالمية لذاتها كفكرة للتجانس تفقد البشر شخصياتهم المستقلة، وأكد ـ في دفاعه عـن الأصالة الثقافـية ـ أن هناك بالضرورة ثقافات غير قابلة للتبادل.
ويعني أن العناصر الثقافية الأساسية تطورت في تجاوبها مع الحاجات النظرية بيئيا ونفسيا، وأن هذه العناصر لا يمكن أن تزرع أو تنقل أو تستنبت من ثقافات أخرى أو بيئات أخرى إذا لم تكن مناسبة ومتوافقة معها من الناحية الثقافية. لقد أسهم في نشر الحداثة، وفي الانفصال عن التراث في العمارة، ظهور تقنيات حديثة ومواد إنشائية وزخرفية لم تكن سائدة فى عمارة التراث، مما دفع حسن فتحي لإعلان الحرب على هذه التقنيات والمواد دفاعا عن العمارة التراثية0 فهو ينادي بالعودة إلى الطين عوضا عن الأسمنت، لأنه المادة المتاحة والرخيصة، ولأنه المادة الأكثر رعاية للإنسان، فهو أقل نقلا للحرارة من الأسمنت، وأكثر حماية لصحة الإنسان.
ولقد مارس حسن فتحي تجاربه في فوائد الطين للبرهان على آرائه، وفي منشآته الطينية في مدينة القرنة أثبت فوائد الطين في عمارة الفلاحين، الذين أقاموا بيوتهم ومنشآتهم العامة باللبن والآجر بعيدا عن كل أدوات العصر، ولم يكن بين أيديهم سوى الخيط، به يقيسون ويحدثون الشاقول والقوس والقبة، بل لقد أقاموا الأقواس والقباب دونما قوالب خشبية ووصلوا ألواح البناء بملاط تقليدي.
وإذا كان تحاشي الإسمنت والحديد والأدوات والتقنيات العصرية ممكنا في بيوت الريف، فهل نستطيع متابعة هذا التحاشي في بيوت المدينة وعمارات الصفوة. يذكر الباحث عفيف بهنسي، أن المنشآت التي صممها ونفذها حسن فتحي كان أكثرها خارج الريف، بل كانت قصورا للصفوة، واستطاع مع ذلك أن يقدم عمارة أصيلة ومعاصرة لسبب هين، أنه كان يقود عمليات البناء بنفسه مع معلم من الفلاحين يسيران جنبا إلى جنب في متابعة التصميم والإنشاء، فكان هو العصر بعلمه وثقافته الأكاديمية، وكان المعلم الفطري هو التراث بتقاليده وفطرته وعفويته.
مما يقودنا للقول بتعاون التقنيات والتقاليد، وبتأخر المواد الطبيعية في العمارة الحديثة، وإن كان لابد من تقنيات العصر لتلبية حاجاته، فإن التقاليد والهوية هي الإطار. ولكن حيثما نفتقد المقياس الإنساني فلا معاصرة ولا أصالة.
الهوية والعمارة الإسلامية
ولا ينبغي أن ننسى هوية العمارة الإسلامية، التي فرضت طابعها على كل العمارة الإسلامية في شرق العالم الإسلامي وغربه، وطبعته بطابعها المميز. فإذا تساءلنا عند البحث عن هذه الهوية، وهل تبدو في قوام العمارة بوصفها سطوحا وفراغات وخطوطا وانحناءات وشراشيف وأدراجا وأعمدة، أم من خلال الزخارف اللاصقة على جدرانها وواجهاتها مما نراه مثلا في قصور غرناطة؟
لقد اتجه أكثر المعماريين ـ وهذا ما لاحظه بحق الباحث عفيف بهنسي ـ نحو الظاهر الزخرفي، فرأوا العمارة العربية من خلال الزخارف المتمثلة بالرقش والفسيفساء والمقرنصات والأفاريز والخطوط الجميلة، وكثيرة جدا هي المنشآت الحديثة التي ادعت الأصالة بإضافة هذه العناصر الزخرفية على بناء حديث مستوحى من العمارة الحديثة.
بيد أن المعماري الكبير حسن فتحي دعا منذ الستينات إلى الاتجاه نحو العمارة الهوية من حيث هي كتل وفراغ، بدءا بالعمارة الريفية التي ينشئها الفلاحون الفقراء. والتصميم المعماري ليس هو العمارة الداخلية، ولكن الفعاليتين تتفاوتان وتتداخلان لإنشاء العمارة، سواء كانت عمارة بورجوازية مدنية أو كانت ريفية.
والسؤال الثاني يتعلق بمفهوم الهوية المعمارية، وعلاقتها بالأساليب والطراز، فكيف تحافظ الهوية على وحدتها في نطاق أشكال مختلفة باختلاف المكان والزمان وباختلاف السلطة السياسية والاجتماعية والدينية؟ ويسهل الجواب عن هذا السؤال إذا اعتبرنا العمارة لغة مجسدة تحمل دلالات روحية ومادية، وتقوم بوظيفة إنسانية اجتماعية بأساليب مختلفة، شأنها في ذلك شأن اللغة التي تحمل دلالات مماثلة وتقوم بوظيفة إنسانية حضارية.
وتتجلى هوية الأمة من خلال وحدة اللغة والثقافة والعقائد، وتعكس هويتها على العمارة والفنون والتراث. وتستمر هوية العمارة باستمرار هوية الأمة، وتتطور بتطويرها، وتنهض بنهوضها وتتفكك بتفككها. ولذلك فإن البحث عن هوية العمارة، هو بحث عن هوية الأمة، وبالمقابل فإن فن العمارة يكشف عن هوية الأمة التي أفرزت هذا الفن أو ذاك. ولأن هوية الأمة لا تتمثل بفصائل الدم، بل تتمثل بمعطيات الحضارة، فإن قراءة تاريخ العمارة يجب أن يبدأ بقراءة تاريخ حضارة الأمة، لأن بناء العمارة هو جزء من كيان الأمة، وبهذا المعنى فإن هوية العمارة تعني انتماء هذه العمارة إلى حضارة معينة خلقتها أمة معينة.
ومن هنا يؤكد الباحث عفيف بهنسي على الاعتراف أن قطيعة طويلة الأمد حدثت بين ثقافتنا وبين تاريخنا الحضاري، أورثت جهلا بالتراث ورفضا له، وحققت فرصا لتسرب الثقافات الوافدة والدخيلة التي غيرت شكل الثقافة الحــديثة وعبثت بجوهرها، وهكذا أصبحت عمارتنا غريبة عنا، وأصبحنا غرباء في مدننا التي تجردت عن هويتها الأصلية، وأصبحنا في بيئة هجينة، غيرت من عاداتنا ومن أذواقنا وثقافتنا.ويتساءل الباحث، إذا كان التاريخ صيرورة، وإذا كان لابد لكل قديم حديث وإذا كان العصر الذي نعيش أكثر انفتاحا على ثقافات العالم، وأصبحت التقنيات الحديثة وأساليب الفن والعمارة جزءا من عولمة الثقافة، يتساءل كيف نستطيع تحقيق انتماء حضاري قومي في العمارة الحديثة؟ إن عاملا مشتركا بين الأصالة والمعاصرة في العمارة خاصة، هو المقياس الإنساني، فإذا استطاعت المعاصرة كما هي الأصالة أن تحافظ على هذا المقياس، فإن التآخي بينهما يصبح ممكنا. ويتجلى المقياس الإنساني في تمثل القيم الروحية والقومية والمادية في العمارة المعاصرة، فالمعاصرة ليست انتهاكا للهوية، وإلا فإن التعددية التي هي طابع الإبداع، تنسحب من كيان العمارة العالمية، لتصبح عمارة واحدة تمثل إقليما دوليا واحدا. إذا بتعدد الهويات المعمارية نستطيع الحديث عن عمارة عالمية، أما فرض هوية محددة على عمارات العالم، فإنه ينفي العالمية، ويبقي على عمارة واحدة مهيمنة عالميا.


العدد : 370
2014-08-18

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم