2010-06-19
أوّل ما يلفت نظرك وأنت تتجوّل في شوارع الدوحة، عاصمة قطر، هي ناطحات السحاب: مباني مدهشة من الاسمنت والزجاج، والفولاذ، تسطع وتنعكس صورها في مياه الشاطئ الهادئة خلال الليل. ولكن ما يدهشك أكثر هو ضوء المصابيح المنعكس من الشرفات والمصاطب الموجودة في الهواء الطلق، ومن المداخل الحجرية المقنطرة، والقناطر الضيّقة المنتشرة في السوق العربي التراثي المعروف بسوق «واجف».
سوق «واجف» الذي كان في ما مضى سوقاً أسبوعياً للبدو، ومكانا يضع فيه أصحاب السفن والتجار بضائعهم ويبيعونها، بات اليوم سوقاً عالميا صاخبا يحتفظ بأسلوبه التقليدي الموروث. ففيه لا تقع على شتى أنواع وأشكال الأصناف غير العادية في محاله وحُجر العرض الصغيرة فيه فحسب، بل ويتيح لك كذلك بمقاهيه ومطاعمه المنتشرة على جانبيه بالاستراحة ومراقبة العالم يمر بك.
وبالفعل هذا هو بالضبط ما فعلناه عشية يومٍ معتدل خلال زيارة قمنا بها أخيرا إلى الدوحة. ونحن نرتشف عصير الفواكه المتنوعة البارد ونأكل معه الذرة المشوية، رحنا نراقب أسراب المشاة من كل أنحاء العالم. السواح أصحاب الوجوه الحمراء، الملوّحون بلون الشمس يدلّون على أنهم قادمون من بلدان مناخها أبرد، ويبدون مرتاحين وسعيدين بالصنادل التي ينتعلونها والثياب الصيفية الخفيفة التي يرتدونها. أما السيدات الهنديات فيختلن بأثواب الساري الملوّنة والمبهجة، في حين يبدو مشهد الشباب العرب بسراويل الجينز والقمصان القطنية مناقضاً لمشهد سكّان الخليج بدشداشاتهم وعباءاتهم. بدورها تنبعث رائحة دخان النرجيلة «أو الشيشة» في الهواء، حيث يقوم سكان البلد وزائروه على حد سواء بالتدخين نافخين عبر الخراطيم دخان تبغ بطعم الفواكه، مستمتعين بهذه العادة الشائعة مع أنّها غير صحيّة.
ولكن سوق «واجف» لم يصبح أكثر الأماكن التي تقع بالحياة في الدوحة إلا في السنوات الأخيرة.
بدأت نهضته عام 2004، بإرشاد حاكم قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وقبل ذلك الوقت، كان السوق القديم في حالة يُرثى لها حيث بدت المباني في حاجة ماسّة لترميم. وعلى غرار ما حصل في عواصم خليجية أخرى، فقد وقع الكثير من الهندسة التراثية ضحيّة فورة الأبنية الحديثة التي جعلتها تنسحق تحت عجلات الجرافات. لقد كان سوق «واجف» مهدّداً بفقدان روحيّته.
قبل المباشرة بعمليات الترميم وإعادة الإعمار، تمّ العمل على دراسة موسعّة ومكثّفة للهندسة المعمارية القطرية التراثية. وهكذا بالاستناد إلى صور فوتوغرافية تعود للأربعينات والخمسينات ولسجلات رسمية ووثائق تتعلّق بالمنطقة، بالإضافة إلى رسومات أصلية قام بها سكان محليّون من الجيل القديم، تمّت إعادة ترميم السوق.
هذه المرّة، جاء دور الأبنية الحديثة التي لا هويّة لها لكي تُهدم وتحل محلها الأبنية التراثية المشيّدة حسب طرق البناء العربية القديمة، في المحافظة على الطابع الاجتماعي والمحلي، والمتماشي مع المناخ. حيث تعمل الجدران السميكة كعازل لحرارة الشمس الحارقة، وتؤمّن القناطر مماشي مظلّلة، وتتدلّى المراوح من الأسقف التراثية المصنوعة من الطين العازل الممزوج بحصائر من سعف النخيل، مدعومة بعوارض من جذوع شجر المنغروف. ومن الأشكال التراثية الأخرى التي تمّ ترميمها نذكر ملاقف الهواء، وأعمال الجبس على الجدران، والنوافذ المقنطرة الصغيرة، والأبواب الخشبية العريضة، المحفورة «يدويا» والمزيّنة بمسامير من النحاس الأصفر.
هذه الهندسة المعمارية الجذّابة تشكّل الجو الملائم لانتشار معارض الفنون اليدوية المحلية، الشعبية منها والعصرية، وكذلك المطاعم. وثمّة قائمة متنوّعة من المطاعم منها، بينها القطري، والهندي، والعراقي، والمغربي، والإيطالي، واللبناني، بالإضافة إيلى مقهى بلجيكي، ومحل إيطالي لبيع المثلجّات، ومقهى أمريكي وفي حين تقفل المحال أبوابها في العاشرة مساءً، تبقى العديد من المقاهي والمطاعم مفتوحة حتى ساعة متأخرّة، أو على مدار الساعة أحياناً.
في الصباح، يختلف المشهد في سوق «واجف». فتبدو الشوارع المشمسة هادئة. ويلوذ الباعة هربا من حرارة الشمس بالقناطر والمماشي المظلّلة. وترى رجال قطريين مسنين يجلسون في المقاهي ويتحدثّون عن أيّام ما قبل ناطحات السحاب التي ارتفعت في سماء قطر.
ندخل الى محل يُدعى «القلاف»، أي «باني السفن». وفيه توجد مجسمّات للسفن الكبيرة «الداو»، وصناديق خشبية وكتب عن الإبحار، وأبواب تراثية، وصور قديمة لغواصي اللؤلؤ، ولبحارة، ولسفن شراعية، وسلال وحبال الغواصين، وبوصلات، وغيرها من أدوات البحر والإبحار. وفي الخارج، أمام المحل، تجد قاربا خشبيا مع مجذافيه، كان يُستخدم لنقل الركّاب والبضائع من السفينة إلى الشاطىء.
صاحب المحل، السيّد سبعان مسمار الجاسم، قدّم لنا بطاقة عمله، وقد بعث عليها عبارة تشير إلى طبيعة عمله «اختصاصيون في نشر الثقافة البحرية القطرية". ويشرح السيد الجاسم كيف أنّ هدفه هو تثقيف جيل الشباب في قطر، وزائريها، بإرث قطر المتميّز الذي يبعث على الفخر في مجال الإبحار.
«العديد من الناس لا يمتلكون أية فكرة عن طريقة كيف عشنا اكتشاف النفط، كيف كان علينا أن نكافح لنكسب عيشنا من البحر الغوص لصيد اللؤلؤ، وبناء سفن شراعية، والقيام برحلات تجارية طويلة وخطرة. لقد أمّن لنا البحر كل شيء. كان مصدر رزقنا، ولولاه لما تمكّنا من العيش».
في الفترة الصباحية، تفتح الدكاكين في سوق «واجف» من العاشرة صباحاً وحتى الثانية عشرة ظهراً، ومن ثم تفتح مجدداً الساعة الرابعة بعد الظهر. نحن في وقت الظهيرة تقريباً، نتجوّل في أزقة السوق الضيقة، ونمر بمحلات تبيع البضاعة التقليدية من بهارات حارة وملوّنة، وفواكه مجفّفة، وبذور، وبخور، وعطور، وأدوات موسيقية، وأدوات خزفية، وسيوف، وخناجر، وحلي، وأشياء من صنع البدو وحياكتهم، وغيرها من البضائع العادية مثل قطع الكمبيوتر، والملابس الرخيصة، والألعاب البلاستيكية، وغيرها من مصنوعات الصين.
على الرغم من المعروضات التي سبق أن ذكرناها والتي لا تُعد مميّزة، فقد عمل سوق «الواجف» على استعادة روحه التراثية كسوق عربي، وفي الوقت نفسه استطاع أن يطعّم نفسه بعناصر جديدة مثل المقاهي الأنيقة، والمعارض، والمطاعم. وهكذا فكثيرون يرون اليوم سوق «واجف» أفضل من أي وقتٍ مضى.