جغرافية للمعرفة تساؤلات قارئ وتوضيح من مدير التحرير أمثال لها معنى تعلمت من الحياة أقوال مأثورة سوق «واجف» في الدوحة:عولمة تحت ظلال تراثية الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة: الحب فطرة وضرورة شعرية الشيطان لا يسكن في التفاصيل الشيطان يسكن في التفاصيل.. ! دولة الكويت هزيمة المثقف العربي بين التغربن الاستلابي وعملات أهل الكهف الصدئة من سرقة المعاني الشعرية إلى سرقة الأبحاث و الكتب من الدراسات النادرة عربياً المهارات الاجتماعية لفئة التوحد.. دراسة منهجية ميدانية كوماري..الحب كله مسرحة الأماكن.. تيار لم يتشكل بعد... الفزاعـــــة وكان المطر يختلق القصص صاحب أول معرض عربي في الكويت عاشق الكويت.. محمد بشناق همس الجدَّات في مديح الظلال الأقصى.. رمزيةٌ لمكانٍ أكثر اتساعاً صناعة الكتاب والمؤلف الدول والمجتمعات في عالم متغير قصائد قصيرة شهرزاد دليل الخير (الجزء الثالث من ملحمة «وجاءت شهرزاد») القعود ومعركة الجهراء العِمامة في التراث العربي الصياد فريسة! كل علم... أغبر ورماد بعد أن عالجت قضايا المواطن الخليجي بثينة الرئيسي: الدراما الخليجية فرضت نفسها على الفضائيات المرأة العربية في(الدراما) التلفزيونية فواز الشعار شاهد على ولادة الدراما الكويتية من إذاعة الكويت كانت انطلاقة أصوات أعلام الستينيات عودة الاستهلاك..الابن الضال للإعلام نحن والنجوم شهادات عن واقع السينما الخليجية مخرجون طموحاتهم أكبر من إمكانات الواقع الغناء والاستعراض في السينما ... بين التوظيف والتوليف الفضاء والمهرجانات والسينما الفاعلة على هامش معرض رشيد كرامي الدولي للكتاب في لبنان سمير الجسر: الكويت منبع للثقافة العربية محمود درويش من مواقف الغنائية إلى مقام التأملات..!
البحث

الاستفتاء

اعلانات


الشيطان لا يسكن في التفاصيل الشيطان يسكن في التفاصيل.. !

    لإرسال إلى صديق طباعة
الشيطان لا يسكن في التفاصيل الشيطان يسكن في التفاصيل.. !
2010-06-19

هذه عبارة السياسيين، يبتسمون بطيبة وأريحية مواجهين كاميرات المناسبات وهم يوقعون على الخطوط العامة لاتفاقاتهم وعند الانفراد والدخول في التفاصيل تبرز الشياطين الساكنة بين السطور. ولكن في دنيا الجمال، في الفن والأدب، تكون التفاصيل والمنمنمات الصغيرة، والاستقصاء الدقيق، والمساواة في العناية بين الكتلة الكبيرة واللمسة المتناهية في الصغر هي ضالة الفنان ومحل عنايته. الجاحظ، ملك التفاصيل الدقيقة في التراث العربي، صاحب موهبة فذة في الاستقصاء الدقيق للفكرة التي يناقشهـا، يقدمها ونقيضها بالحماسة والعناية نفسها. حين ننظر إلى عمله المبدع «البخلاء» فستذهلنا تلك العناية في التفصيلات والالتفاتات اللطيفة والمذهلة. فقصة محمد بن المؤمل، مثلا، الذي كان يبدي كرما ظاهرا ولكن الجاحظ يستل عناصر البخل الخفية التي تبدو من تقتيره بأهون المعروض : الخبز..! أنظرها في كتابه البخلاء فسترى جمال العرض. في إطلالتنا هذه فسنقتنص إحدى تجلياته في رسم التفاصيل الدقيقة في قصــة مشهورة له : «القاضي والذبابة». وقبل أن نقدم النص ندعو إلى النظر إليه وهو يمهد الجو، ويرسم الشخصية الرصينة للقاضي وكيف يمضي يومه يجلس راسخا لا يتحرك ضابطا نفسه، ويصور هذا الضبط بدقة من خلال تلك التفصيلات في السلوك والتصرف حتى يتم تشخيص ورسم هذه الشخصيـة بكمالها الفني. انظر لهذا الرسم بكلمات الجاحظ يقول: «كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوار، لم ير الناس حاكما قط ولا زميتا ولا ركينا، ولا وقورا حليما، ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذي ضبط وملك، كان يصلي الغداة في منزله، وهو قريب الدار من مسجده، فيأتي مجلسه فيحتبي ولا يتكئ، فلا يزال منتصبا لا يتحرك له عضو، ولا يلتفت، ولا يحل حبوته ولا يحول رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقيه، حتى كأنه بناء مبني، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك، حتى يقوم إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى العصر، ثم يرجع لمجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى محله، بل كثيرا ما كان يكون ذلك إذا بقي عليه من قراءة العهود والشروط والوثائق، ثم يصلي العشاء الأخيرة وينصرف. فالحق يقال: لم يقم في طول تلك المدة والولاية مرة واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب، كذلك كان شأنه في طوال الأيام وفي قصارها، وفي صيفها وفي شتائها. وكان مع ذلك لا يحرك يده، ولا يشير برأسه، وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز، ويبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيرة.» هكذا قدم الجاحظ هذه الشخصية قبل أن تدخل الحدث الذي يعده لها ثم يضعها في لحظة تتفتت فيه مقومات هذه الشخصية، وتنتقل إلى نقيض سلوكها ويتغير مظهرها من خلال مصارعتها لذبابة، يقدم الجاحظ المشهد من خلال جماليات تفصيلية رائعة حتى يصل بنا إلى لحظة الانكشاف الذي تنتقل فيه الشخصية من هذا الثبات والرصانة حركة وقولا إلى عكسها،حيث تتحقق لحظة انعكاس درامية رائعة. يقول مستكملا: «فبينا هو كذلك ذات يوم وأصحابه حواليه، وفي السماطين بين يديه، إذ سقط على أنفه ذباب فأطال المكث، ثم تحول إلى مؤق عينه، فرام الصبر في سقوطه على المؤق، وعلى عضه ونفاذ خرطومه كما رام من الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرك أرنبته، أو يغضن وجهه، أو يذب بإصبعه، فلما طال ذلك عليه من الذباب وشغله وأوجعه وأحرقه، وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل، أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح، فتنحى ريثما سكن جفنه، ثم عاد إلى مؤقه بأشد من مرته الأولي، فغمس خرطومه في مكان كان قد أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصبر في الثانية أقوى، فحرك أجفانه وزاد في شدة الحركة وفي فتح العين، وفي تتابع الفتح والإطباق، فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه. فما زال يلح عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده. فلم يجد بدا من أن يذب عن عينيه بيده، ففعل وعيون القوم إليه ترمقه، وكأنهم لا يرونه، فتنحى عنه بقدر ما رد يده وسكنت حركته ثم عاد إلى موضعه، ثم ألجأه إلى أن ذب عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أن فِعْلَه كله بعين من حضره من أمنائه وجلسائه. فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألح من الخنفساء وأزهى من الغراب! وأستغفر الله! فما أكثر من أعجبته نفسه فأراد الله عز وجل أن يعرفه من ضعفه من كان عنه مستورا! وقد علمت أني عند الناس من أزمت الناس، فقد غلبني وفضحني أضعف خلقه، ثم تلا قوله تعالى: «وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب».
 
228   قراءة