2010-06-23
منذ أول كلمة في مجموعته الشعرية «مجاراة الصوت»، لايقترح نوري الجراح ناقداً محدّداً ولا جمهوراً منظوراً. ولو كان لنا أن نظنّ أنه فعل هذا لجاء بشيء مختلف، بشيء جاهز ينسجم مع ماهو جاهز في انهماكات النقاد والجمهور. إلا أنه اختارَ أن يكون في وضع جانبي، ربما ليقترح ناقده وقارئه معاً، كما هو شأن الشاعر حين يحتفل بجوهر الشعر نفسه لابما يُروّج عنه ويتم ترويجه.
يغريني اعتقادٌ بأن ما بدأتُ أقرأه، موضوعاً ومقصداً، يندُّ عما هو مألوفٌ في ما يسمى ساحة الشعر. الشاعر لايستعير قضية يتكيء عليها، ولا ذائقة يطمح إلى أسرها، أو مملكة يحلم بالاستيلاء على عرشها. المسكون ليس غايته. إنه مقتنع بهذه الأقاصيص التي يرتجلها المطر وراء زجاج النوافذ، وهذه الخطوات الليلية، والسلالم التي تفضي إلى الداخل مهما صعدتْ أو نزلتْ. إنه شاعرٌ مفتوح العينين والحواس على نموذج يدبّ في إهابه، نموذج هو بطله الذي يتحرك على مسرح الأشياء والكائنات من حوله. ولا نظنّ الشاعر مقطوع الجذور، فله أسلافه في هذا التراث القليل، ولكن الذهبي في النهاية. تراثٌ بدأه شعراء نادرون يحتفظون رغم الضجيج بعلامة حقيقية تعلو على انعطافات الأزمنة والأحداث. ولعل أصعب الشعر وأشدّه نقاء ذلك الشعر الذي تنزلق عنه لافتات عصر أو فترة تاريخية، فكأنه لغة قبل الحدث وخلاله وبعده.
ونحتاج إلى جهد كبير لنخلّص أنفسنا من سطوة الموضوع الرائج في وطن الشعر، وإلى مجهود أكبر ليكون باستطاعتنا التفتح على التعدد والغنى الذي يحمله الشعر، وطراح الأنساق المألوفة، لأننا رغم كل شيء أسرى الشائع والمبذول. ما يحدّد الشعرية هنا ليس الموضوع ولا المناسبة ولا الارتباط الذي يزعمه بعض النقاد بين الشاعر والهموم العامة، بل نسق دلالة لايتعلق بأي عنوان من هذه العناوين.
أيكون للشاعر أن يقترح ناقداً، ويضيف إلى تواضعه الموحش هذا الطلب المغالى فيه: أن يقترح قارئاً؟ ربما نوفق أكثر إذا أهملنا هذا الصخب، كما يهمله الشعرُ في الحالات النادرة، أعني صخب الحديث عن النقد، وإمكانية أن يكون هناك قاريء جاهز مثلما هناك ناقد جاهز أيضاً. إن تركيبتنا الذهنية تذهب بنا إلى القياس دائماً، فنتهيأ، بما لدينا من ذاكرة، ونتلقى الشعر. ولكن ما يُسلم نفسه للجاهز فينا لايجب أن يعنينا. هكذا يمكننا أن نميز بين شعرٍ وشعرٍ، بين ما يمكن تصنيفه فوراً وبين ما لايمكن تصنيفه، بين ما يمكن القبض عليه وإدراجه في قائمة النسيان وبين ما يظلّ عصياً على التدجين.
من أنا، حتى لو امتلكتُ معرفة بكل حرف كُتب في كل اللغات، لكي أتطاول على لحظة شاعر وأسميها؟ يتيه النقدُ ويفقد مهمته أو ينسى ماجاء من أجله حين يقع في شراك الشعر. فيتحول الصيادُ إلى طريدة، والأحكام القاطعة إلى احتمالات. زودنا تاريخُ الشعر بكل الأدوات اللازمة للتسمية. ولكن من قال إن الشاعر يتيمٌ يبحث عن من يسمّيه؟ ومن قال إن الواقع الشعري رهينة ناقد وقاريء؟ أليس النقد الذي نعرفه هو بيانات امتلاك يصدرها أناسٌ فرحون بما اكتشفوا وما انتهوا إليه؟ وهل يمكن امتلاك تفاحة في لوحة لسيزان أو تدجين وحشة في عيون تمثال بابلي؟
سأقول إذاً إنني لم أمتلك هذه المجموعة الشعرية الطافحة بالشعر، وأبعدتُ منذ البداية فكرة الامتلاك. والسبب بسيط؛ إدراكي أنني في حضرة الشعروحده، ومن العبث استهلاك هذا الحضور، فهو ليس مما يستهلك أو يؤخذ. إنه يظلّ بعيداً ككائن غامض أو سراب. ولا ينقص الشعرُ شيئاً حين يكون سراباً، أو حين يحوّلنا إلى سرابٍ، منقطع عن طريقة في قول الرؤية، وقاطع في هذا التجنب البدهي لكل ما من شأنه أن يستنسخ الجاهز أو يحتفي به.
لابدّ من طريق آخر للروح، حتى لو كان طريقَ هذه البربرية التي تميز كتابة لاتحتفي بالتقاليد. في آخر القصائد تأتي هذه الأسماء: دمشق، بيروت، قبرص، لندن، ويضع الشاعر فصلا أو موسماً للكتابة، كأن يكون الشتاء أو الخريف، ونادراً ما يأتي على ذكر الربيع. أهذه إشارة إلى ما يشيعه الفصل من إيقاع وما يبثه من تأويلات في النفس والقصيدة؟ فتغدو الحالات النفسية تردّداً وذبذبة لهذه الفصول نفسها؟
إن قراءة في تضاريس المدن أو مواسمها تسعفنا في تعليل هذه الكآبة والوحدة والروح الثقيلة وهو يراقب أشياء العالم، نافذاً إلى ما يشبه المداخل الخلفية التي لانتوقعها.ومع ذلك، فإن «خارجية» هذه المدن وهؤلاء الناس والأحداث المتواضعة، أي يومياتها في تقاويم الصحافة والإذاعات والدول، ليست مما يعنينا هنا. ما يعنينا قبل كل شيء هو علاقة خاصة ذات وجه آخر لايعرض نفسه للضوء:
كلُّ هذا الليل
مليءٌ وعميقٌ
من مضجعي إلى مياهكِ
حيث تلعب الأسماكُ
وتتمايل أعشابُ حياتكِ القصيرة
يقول التفسير الذي يودّ امتلاك هذا الشعور: لو لم يمازج الشاعر بين مدينة وامرأة وبحر، لو لم يجعل لصفاتنا الإنسانية هذا التعالق مع حركة الأسماك وتمايل الأعشاب وهبوب الرياح، لكان فيه من الوضوح ما يكفي. ولكن أليس في هذا التمازج الشبيه بالاستعارة كل المغزى؟
الجسدُ رياح تهبّ، وما الحياة إلا عشب بحياة قصيرة، وهذا الخلود العميق لليل والماء وعبث الأسماك هو الجواب على أسئلة الإنسان. وأسأل: وما الذي يفيدني فيه هذا التفسير؟
بهذا السؤال، أضع نفسي في موضع من يريد أن يفهم، أي في الموضع الخطأ، في وقت ليس فيه أمامي إلا إحساس عميق بهذا الزوال، ينتقل إليّ في تتابع الليل وامتلائه وعمقه بين مضجع الشاعر ومياه ما تلعب فيها الأسماكُ وتتمايل أعشابُ الحياة القصيرة تحت وطأة هبوب الجسد. لولا الضمير العائد "إليها"، لما كان كل هذا إلا وصفاً عابراً، ولكن هذه التي تحوّلتْ إلى أشياء من الطبيعة نفسها، تعمّق صورتها في الوقت الذي تعمق فيه صورة الطبيعة. لادعوة للفهم هنا، بل فكرة مشعور بها غير قابلة للربح أو الخسارة.
إن أفكار الشعر تقع في دائرة أخرى، عصيّة على أن تفيد أحداً أو تثري الساحة المعتادة؛ إنها اشتقاق طريق آخر للروح لايبدو من هذا العالم القائم في هذه اللحظة:
أسلمتُ للهواءِ عطركِ
وألوان صوتكِ للنباتات المتهامسة المسافرة
وللفراشات أن تنسرب بين أصابع الهواء
للفراشات أن تهبّ من ثياب النهار
وتصعد لتحترق
أن تطوي أجنحتها الراجفة
الصوت
والمنزل
والقلب
إنه الصيفُ، والشاعر ينبهنا إلى هذا في السطر الأخير، صيف نيقوسيا. ما الذي يبقى هنا من تلك القصيدة التي تبدأ هكذا: "كل هذا الليل"؟ ما يبقى منها وما يرتبط بها هو الزوال والتلاشي. وهذا الشائع في كل شيء يتحرك بحرية كاملة: النبات والفراشات والنهار والأجنحة والهواء والمنزل والقلب. لاتفسير لهذا بل رغبة.
أيمكن الحديث عن الشعر بلهجة الرغبة؟ رغبة الشاعر أن يجد في هذا التركيب شيئاً باقياً يعثر عليه؟ إن ما يبقى هو الأنا في هذه التموجات المخلوقة من أشياء وكائنات؛ رغبة خلق كل هذا وإطلاقه وكأنما بمجانية كاملة. لم يعد الشاعرُ يسأل عن قضايا عابرة، ولا عاد يحترف كتابة العرائض على ناصية الثورات والمنظمات، إن له من مشاغله ما يملأ هذه الحياة القصيرة، إنه خارج دائرة الأرباح والخسائر.
الصوتُ، المنزل، القلب. ليتوقف كل شيء عن الادعاء، وليوقف الشاعر نفسه هذه الانهماكات التي تفصله عن مهمته الأساسية، فالوحشة والوحدة وانسراب الزمن أعمق من أن تطالها حبال التقاليد الشعرية أو تصل إليها سفن المهرجانات الباذخة. سيكون للشاعر مهرجانه المتواضع والكوني في الوقت نفسه الذي يمارس فيه طاقة الإبداع حتى في تكوين حجر مهمل، أو جلسة رجل عجوز في الترام، أو قدوم فتيات إلى غرفة، أو ثرثرة زوار كثر، او انتهاء نهار وانسراب ليل بيننا وبين الماضي.
الشاعرُ ليس صوت قبيلته، فما فيه من القبائل المحتشدة يكفيه ليكون شاعراً بهذا المعنى. إن قبائله هي هذه الفصول والرياح والمواسم والشوارع، والناس الذين يقفون جانباً في صمت، أو أولئك الذين يتساقطون من شرفة أيامه. ولماذا لا يكون الشعر ضرورة بهذا المعنى؟
لكي يكون شاعراً، لم يعد بحاجة إلا لتذكر طفولته، ولكي يكون قادراً، لم يعد بحاجة إلا لتركيز نفسه وتثقيلها إلى درجة كوكبية. إنه مخيف بهذا المعنى، والاقتراب منه محفوف بالخطر. هو ليس احتفالا عاماً، بل هو احتفال خاص يقام في العزلة. وحين يشق طريقه إلينا ذات نهار غير مرتقب، وحين يفاجئنا بلغة المكان الذي جاء منه، إما أن نشعر بحاجتنا إلى هذا الهمجي أو نشعر بحاجتنا إلى حُماتنا.
كقاريء، لا أشعر برغبة في اللجوءِ إلى الحماة أو الهياكل، بل برغبة في الإحساس بما يقول هذا الهمجي وما يشير إليه. إنه لم يعد قادراً، أو هو غير مؤهل لاستخدام لغتنا، وعلينا أن نقبل إذاً إيماءاته وصرخاته، وأن نحدّق في أشيائه الغريبة التي جمعها من حيث لم نكن، ولم نعلم أين تكون. بهذا نعطيه حقه في أن يكون فرداً وليس موظفاً لرغباتنا.