2010-06-23
لابدَّ أنَّهُ سليل العفاريتِ، هذا الشَّبح ُالصَّغيرُ، الذي لا ينفكُّ ينصبُ فخاخهُ....
يذرُّ حفنةَ قمحٍ، تحتَ صحفة ٍ كبيرةٍ تنازلت ْعنها أمُّه، لأنَّها باتتْ باليةً لا تصلُح للعجن، وقد ثقَّبها من الأعلى ليربط بها خيطاً من القنَّب، رفعها بمزلاج من الخشبِ، ينزلق من الحافَّة العلوية للصَّحفة، فإذا ما سَحَبَ الخيطَ من موقعه حيثُ يختبئ، تُطبق الصحفة بكليَّتها، قابضةً على العصفور الذي سيتحوَّل مع عشراتٍ مثله إلى وجبة صغيرة لا تكفي لفرد...
هكذا تنعته الجدَّة التي تتوسَّد الكوَّة في أعلى الجدار الأمامي لغرفتها، تراقبهُ خشية أن يقبض في أيَّة لحظة على عنق الفأس، وينهال على ساق شجرة الكينا في ساحة الدار...!!
كمْ مرَّة أخفت عنه تلك الفأس، ولكنْ عبثاً كلُّ ذلك العناء في إخفائها، فحصاد ُالأرواح كان عملاً يوميَّاً يقوم به هذا الصَّبي...
كيف ستنجو منه الشَّجرة العملاقة، بالرغم من أنّها هي التي تجلب له العصافير ليتصيَّدها....؟
إلا أنَّه ربّما في لحظة ما سينكر عليها كلَّ ما قدَّمته وتقدِّمه «ظلَّها.. أنسها.. والطبقَ اليوميَّ...»
ربّما لن يحصل على تذكرة إلى الجنَّة، لآثام يديه الملوَّثتين بدم العصافير، وبغبار تلك الفأس....؟
ذات صباح توقفت الأحلام... أصبحت الجدَّة قطعاً مكسورة لا يمكن جمعها، وكادت عيناها تخرجان من محجريهما، حين تناهى إلى مسمعها صوتٌ مُدوٍّ أحدث الصوتُ جلبة، وهمهمة في ذاكرتها، كانت حينذاك جالسة وراء الموقد الذي أخذ يلتهم الحطب بنهم الجراد، حين يحطُّ أسراباً على حقل الذُّرة الصفراء....
كان الموقد يلتهم الحطب، فتظل ألسنة النار مشرئبة... متبارية فيما بينها.
كيف ستنهض وهي التي نالت منها السّنون، فدبَّ الألم في مفاصلها، بعدما كانت سيّدَة الهمَّة والنّشاط فيما خلا من الأيام.
نهضت بتثاقلٍ، وضعت على كتفيها شالاً من الكتَّان يقيها البردَ في ذلك الصَّباح المثلج.
اندفعت إلى الباب المطلِّ على ساحة الدَّار التّرابية بمِشيتها البطيئة، وهي تتمتم كلاماً غيرَ مفهومٍ... ثمَّ شهقت بعلوِّ صوتها... بعدها احتُبِس صوتُها داخل حُنجُرتها، أرادت الاستغاثة « بأمِّ روانٍ» التي كانت تُعدُّ الشّوربة السّاخنة، جرياً على عادتها كل صباح شتائيٍّ، للقضاء على البرد، وبثَّ الدفء في الأوصال...
إنَّهُ يقضي عليها....
نعم أخيراً تمكَّن منها...
لقد قطع نصف السّاق...
هذه العجوزُ لا تدري ماذا تفعل لتمنع الصبيَّ من متابعة قطعه لجذع الشّجرة، بدتْ كمن تعرَّض لهجومٍ مباغتٍ...
أتختبئ أم تحمل ما تستطيع حمله من منزل ذكرياتها.....
انعكستْ خُطُواتها... صارت تخطو خطوة ً باتِّجاه اليمين، تأتي الخطوة التالية باتِّجاه اليسار، وهكذا..
ثمَّ حوَّلت كلامها إلى روان العابث:
دعها وشأنها...
ألا تعلم بأنَّها... ثمّ َتقطَّع صوتها... ابتلعت ريقها بصعوبة...
روانٌ لم يلتفت إليها، ولم يستجبْ لصراخها، ارتفع صوتها بالتوسُّل...!
لكنَّ روانَ تابع الضَّرب بعنف، بالفأس على جذع الشَّجرة....
كانتْ الأفعواناتُ تهمس في أذنِه سرَّاً.... أرادت له الوقوفِ على أرض الهلاك.
بدا شديد التَّعب، لشدَّة ما انهال على جذع الشَّجرة الواقفة كالتِّنين يحرس التِّلال...
ربما انتظرتْ كل هذه السّنين، ليكون قدرها أن تموت سقوطاً من علوِّها على الأرض، التي شهدت تعاقب الفصول سنين َ طويلة، والآن ستغادرُ الدِّيار......
بعد لحظاتٍ ستسقط، إنّها تعيش الآن «الحالة الزَّرقاء» الحالة التي لا يفصلها عن الموت إلا أمنيةٍ أخيرةٍ، يُطلب من المحكوم عليه بالإعدام النُّطق بها قبل إسدال السِّتارة على ثوانيِّه الأخيرة، وزجِّه في حفرة الموت....!!!
تهشَّم الجذع... وانفصل عن جزئه السّفلي الذي ظلَّ كالوتد المنغرس في بقعة ما...!
تناثرتِ الشظايا، وأصدرت بسقوطها نشيجاً مدوِّياً للأوراق والأغصان التي نازعت طويلاً، لكنَّها استكانت أخيراً، مطبِقة أجفانها على صفحة السِّماء التي غادرتها السّحب فزعاً، وآخر ما سمعته كان زقزقة لعصافير تكاثفت أسراباً حداداً على سقوط عرشها...
راقبت الجدَّة ذلك بصمتٍ، بعدما عجزت عن منعه من قتلها، مسحت الدُّموع المنهمرة من عينين خبا بريقهما...
ثم ّ قالت:
لا توجد عاصفة ًٌ ولا حوت ٌيعادلُ قلب الجبان... وتابعتْ ولا ضمير ٌ جشعٌ يمتصُّ الماء كالإسفنج
فقد أعماك جشعك، وسدَّ أمامك كل المنافذ المؤديَّة إلى النُّور....
ولا تنسَ فإنّنا كلّنا في النّهاية نسافر وحدنا...؟