2010-06-23
عنوان مقالتي هذه كلمة ساخطة أطلقها الشاعر العظيم «غوته» في مسرحيته «فاوست» تعبيراً عن موقف «غوته» ضد العلم، لأنه باعتقاده يدمر روح الإنسان! فهل العلم سيء إلى هذا الحد؟ بالتأكيد لا. فالعلم حرر عقل الإنسان من سطوة الخرافة، وأنار للبشرية دروب المستقبل، وعمق قدرتنا على التفكير السليم، بيد أن الإعلانات التجارية التي تروج لبعض المستحضرات الصيدلانية، والأدوية، والأعشاب الطبية، والكيماويات تحت قناع من العلم الزائف، جعل من صرخة «غوته» حقيقة مدوية.
٭٭٭
ثلاثة أساليب يلجأ إليها المعلن للترويج لبضاعته الطبية والصحية والوقائية، وتتسابق الفضائىات لتسميم عقولنا والاستخفاف بها وهي تمطرنا صباح مساء بكم هائل من الإعلانات التجارية لابتكارات علمية. ويكتفي الأسلوب الأول بذكر اسم الدواء أو المستحضر والإشادة بتأثيره. ويعتمد الأسلوب الثاني على شهادات بعض الشهود من متخصصين وغيرهم يمدحون عبقرية هذا المركب أو ذاك. أما الأسلوب الثالث فيعتمد على تقديم حوار مدروس بين مذيع يسأل واختصاصي يرد عليه، والأمر كله مسرحية تجارية وتمثيلية كاذبة. وأخف الأساليب وطأة على العقل وإساءة للعلم هو الأسلوب الأول الذي يقول لك: خذ هذا القرص للصداع ليخف الألم بسرعة، وإن كنت لا أستثني هذا الأسلوب من محاولات الخداع والتدليس.
بالنسبة للأسلوب الثاني، تستأجر شركة الأدوية طبيباً أو صيدلانياً أو مريضاً يدعي أنه استخدم الدواء «إكس» ليشهدوا على عظمة هذا العقار أو المستحضر الطبي أو المركب الكيميائي أو الصيدلاني، ويجمع هؤلاء الشهود على أن هذا «الإكس» الذي يروجون له هو الإكسير الذي بحث عنه الإنسان منذ أيام جلجامش، يتفاصح الشهود ويدوسون على رقابنا العلمية وهم يزأرون: الدواء «إكس» ينهي مشكلة الصلع، ويوقف خطورة السمنة، وهو القادر على حل مشكلة السكري، ويكبح السرطان، ويقطع الطريق أمام تسوس الأسنان والتهاب اللثة. يقول الإعلان التجاري إن نقطة من هذا السائل تنظف ألف صحن، وهذا الصابون يقضي قضاء مبرماً على كل سلالات الجراثيم بمكوراتها وعصياتها، والشامبو العشبي يجعل من الشعر الأكرت المجعد المتهتك ناعماً براقاً متموجاً ويجنن! وهذا المرهم يعيد المرأة العجوز إلى شبابها ويمنح وجهها السحر والنضارة، وقيسوا على ذلك من مبالغات تهين العلم والمتعلمين.
وهكذا يفعل المروجون عبر الأسلوب الثالث، إذ يستحضرون أحد الاختصاصيين ليتحدث بلغة أكاديمية عالية مدججة بالمصطلحات ويصدر الفتوى الطبية القائلة بأن هذا الدواء هو الناجع والفعال بنسبة مئة بالمئة.. وتنطلي الكذبة على المستهلك.
٭٭٭
لو كنت مسؤولاً لمنعت كل الإعلانات التجارية التي تروج لعقار أو دواء حتى لو كان اليانسون أو الكركدية أو البابونج، أو حتى لو كان الإعلان يرفع من قدر عسل السدر وعسل الزلوع، ونصيحتي لقراء هذه الزاوية، بعد نصف قرن من الخبرة النظرية والعملية والأكاديية، أن يحذروا من سماع النصائح الطبية التي يقدمها لكم إعلان تجاري مأجور.