2010-06-23
مع بداية التسعينات من القرن الماضي، والذي رافقته تواجد عدة شركات إنتاج خاصة تملك قوة المال، وتطمح لإنتاج أعمال درامية تلفزيونية بعيدة عن الروتينية، تطلب هذا الأمر تواجد كتاب ومخرجين من الجنسين، وهذا ما أعطى للمرأة حضورا أوفر من المرحلة السابقة التي كانت محصورة بالتلفزيون العربي السوري، وأصبحت الأعمال الدرامية تهتم بتواجيد الأنثى المرئية بطريقة أكثر فعالية، وبالذات عندما اقتحمت المرأة مهنة الكتابة الدرامية ومهنة الإخراج، اللتين كانتا قاصرتين على الرجال وبذلك وفرت ضمن النص الدرامي، حضورا للمرأة مما ساهم بتواجدها بشكل أوضح وأقرب للواقع، وهذا ما دعا الكتاب الرجال ليدخلوا في عالم المرأة أكثر من السابق ضمن أعمالهم الدرامية لعدة أسباب... منها ما هو تنافسي مع المرأة الكاتبة ذاتها لإثبات أن خصوصية المرأة ليست عصية على الرجل...! ومنها ما هو مطلوب من قبل الجهات المنتجة، والتي تشترط أحيانا التواجد الكثيف للأنثى من أجل التسويق، ومنها ما هو نقل تجارب مهمة صار البوح فيها أمرا ملفتا وهاما للمجتمع وللكاتب وللفنان وللمتلقى من الجنسين، وهذا ما فرضته كمية الإنتاج الكثيف والمطلوب، إلي جانب تطور العصر وإثبات حضور المرأة في شتى المجالات، وعلى كافة الأصعدة، وهذه الناحية واحدة من عدة نواح ميزت التجربة الدرامية السورية وفي كل الأحوال كانت النتيجة في صالح المرأة. هذا ما أشارت إليه الكاتبة الدرامية والمخرجة رويدا الجراح في الاستطلاع الذي أجرته مجلة الكويت حول صورة المرأة في الدراما التلفزيونية، كيف ينظر إليها!؟
ترى الجراح أن:«في داخل كل مخلوق منا تلك البذرتين /الذكورة والأنوثة/ وتتضح الناحية الثانية الموجودة في الأنا المخفية لدى الفنان أكثر من غيره لتظهر في أعماله بشكل نسبي حسب الحالة الطاغية أو حسب مفهومه للطرف الآخر فمنهم من ينقل المرأة في عمله الدرامي كحضورها المعروف والمحصور بمواقع محددة كرسته التقاليد والأعراف وقانون الأحوال الشخصية المجحف بحق هذا المخلوق..!
ومنهم من يعطيها موقعا أفضل وذلك حسب تجاربه وثقافته وفهمه للمرأة فيغني حياته وأعماله وأدبه وفنه، أما الخصوصية التي توجد في ذلك الكائن الأنثوي فقلة من الكتاب والمخرجين من يعتني أو يهتم بها، وهنا يأتي ذكر الكاتبات والمخرجات في العمل الدرامي، فأولئك يضعن في حسابهن ما يعني المرأة ويحاولن البوح ببعض خصوصيتها، ويفتحن أبواب داخلها المغلق، إلا أنهن لا يجعلنها هي المحور الرئيس أو العامود الفقري لحمل العمل، ورأت المخرجة رويدا الجراح أن المرأة «المرئية» أصبحت متواجدة بمساحة تقارب تواجد مساحة الرجل وحضورها له فعالية ولم تعد «سيدة» كما كانت في السابق، وذلك للأسباب المذكورة آنفا، وليس من التباهي القول بأنني أول من جعل المرأة في العمل الدرامي سواء كان أدبيا أو فنيا هي المحور، ولم تصل هذه الخاصية للمتلقي بالطريقة المكتوبة فيها إلا عندما عملت بالإخراج إلى جانب الكتابة الدرامية.
وأكدت المخرجة الجراح أن المرأة المرئية تعتبر جزءا من ذات الكاتب من الجنسين ولكن من بيده القلم وقيادة عملية الإخراج هو من يحدد، وهي عندي من موضع العنق للعمل والمحور والمحركة للأحداث، وليس المقصود في أعمالي المعروضة، الأنانية أو التميز للمرأة فأنا ليس لي صلة بالتميز ولا أضع المساواة هدفا، بل أطلب فسحة للتنفس بما قدره الخالق لنا، ورأيت بعضا من هذه الخصوصية الأنثوية عند السيدات اللواتي يعملن بالمهنة سواء ككاتبات أو مخرجات، وكل واحدة منهن توظف المرأة «المرئية» حسب إمكانياتها الثقافية والجو المحيط، وكمية الحساسية والمعرفية التي تحصل عليها، وبشكل أوضح بنظرة كل منهن لذاتها ولتجربتها. واتضح بأن تجربة النساء لا تقل أهمية عن تجربة الرجال في المهنة. ولكن لغاية اليوم لم نصل نحن النساء لطرح نماذج نسائية مكشوفة الداخل إلا بعمل يتيم لي وهو «اللحاف» لذلك نرى الرجل العامل بالدراما يطرح المرأة لتكون مرئية بالشكل الذي يعايشه ويستطيع أن يكشف نواحي لم تتطرق لها المرأة المهنية بصفته ذكرا يحق له ما لا يحق لغيره...! والسبب وأعني به نفسي قبل غيري هو الواقع المعاش والظروف المحيطة بالمهنة. فأنا رأيي كمخرجة لي تجربة ما.. أشعر بأن العمل الدرامي المهني بكل تفاصيله الداخلية وغير المكشوفة للمتلقي أو «للمعنيين بالمهنة وأقصد المدراء بالقطاعين» فيه بالوقت الراهن حالة من الذكورية التي تحاول بشتى السبل الإغلاق على إبداع المرأة والتي كانت في السابق أكثر احتراما وأكثر أخوية مع فريق العمل المكون من الذكور، وإن كانت هنالك مهن ضمن العمل الدرامي تعطى للنساء فهي محصورة بالديكور والمكياج وبالمسؤولية عن الملابس...! فليس هناك نساء في مهنة المونتاج مثلا.. «رغم وجود نساء في هذه المهنة» في التلفزيون العربي السوري، ولم تتواجد لدينا المرأة المصورة...؟ ولا تتواجد المرأة المنفذة للإنتاج، وعندما تريد المرأة المهنية أن تصنع عملا فيه خصوصية لا تجد المهني المتوفرة فيه تلك المواصفات لأنه مشغول أو مرتبط أو غير مهنته وغادر لمكان آخر. وأوضحت المخرجة رويدا الجراح أن هناك أعمالا كثيرة تصنع وتسوق من أجل التواجد والدعاية ولقمة العيش، أما حضور المرأة المرئية في تلك الأعمال، فحدث ولا حرج فهي موجودة وبكثرة وأحيانا بإفاضة غير ضرورية وغير لائقة فالقاعدة حاليا كلما أكثرت من تواجد النساء الكاشفات«...؟!» في العمل الفني المرئي كان مرغوبا للتسويق أكثر! ومن هذا المنطلق نرى المرأة وبكثرة في الدراما تأخذ الحيز الذي يضعها كسلعة مرئية، ومن المؤسف بأن بعض الفنانات يسعين ليكن سلعة ويرغبن في أداء دور المرأة السلعة، أكثر مما يبرعن في أداء أدوار أهم وأكثر فعالية!
بطولات نسائية
فيما تحدث المخرج غسان جبري مؤكدا أن الدراما تعكس واقعا أدبيا وواقعا اجتماعيا معينا، ولقد أثرت الدراما السورية في سورية بشكل خاص وفي العالم العربي بشكل عام في صورة المرأة وتغيير النظرة إليها للمرة الأولى سواء عبر الأعمال التمثيلية أو الأعمال التسجيلية حيث استطاعت المرأة السورية والمرأة العربية أن «ترفع رأسها».
وانتشرت الدراما لتقدم للمجتمع السوري المرأة الساخرة - المرأة الأخت - الزوجة - الأم - الطفل -... واستقطبت المسلسلات التي أنتجت في السبعينات والثمانينات بشكل خاص قطاعا كبيرا من المشاهدين، وما زال المتلقي حتى الآن يذكر الأعمال التي طرحت بجرأة مشكلة المرأة في الحياة الاجتماعية السورية وانطلاقتها نحو العمل، ورغبتها الحقة في اختيار شريك حياتها، ومساهمتها المساهمة الفعلية في بناء المجتمع، وأعترف بأننا مازلنا مقصرين جدا.
وأشار المخرج جبري إلى أن المرأة كانت خلال السنوات الماضية مهمشة بعض الشيء. حيث ندرت الأعمال التي تحملها بطولات نسائية كاملة.
لكن بكل فخر يضيف جبري: «نعتمد على السيدات ريم حنا و دلع الرحبي ومي الرحبي في كتابة أعمال تخترق عالم المرأة الصعب علينا نحن الرجال». وأكد أنه حتى هذه اللحظة لم تلامس الدراما السورية عمق النظرة إلى المرأة بسورية فعلى سبيل المثال ما يدعى بجرائم الشرف، وقتل المرأة على الشبهة «بكل أسف» هذه الجناية محمية بالقانون، أما المشكلة الثانية التي نعاني منها ويجب طرحها وهي تعدد الزوجات وظهور المرأة في العمل هل هي مستقلة ماليا أم مكلفة بالإنفاق مثلها مثل زوجها. هناك عدد كبير من الأجواء لم نتطرق إليها منها تزويج القاصر رغما عنها.
مواقف متطرفة
بينما اعتبرت ريمة الحجار وهي باحثة في علم الاجتماع أن صورة المرأة في الدراما التلفزيونية السورية متأثرة بمواقف متطرفة، فهي إما المرأة المستكينة المظلومة التابعة اجتماعيا واقتصاديا لسلطة الرجل، أو المرأة المتمردة الخارجة عن بعض القواعد الاجتماعية المعتادة والمألوفة في مجتمعنا السوري فلا نجد صورة وسطا ما بين هذين الحدين، وقد يعود ذلك إلى وجهة نظر الكاتب أو المخرج أو الرقابة التي قد تحرّم أو تسمح بما يتناسب مع منظومتها وقوانينها، وقد لا نجد صورة معتدلة إلا إذا كانت الكاتبة أو المخرجة هي امرأة آنذاك يمكن أن نرى بعض النماذج للمرأة المتعلمة والعاملة والواعية في آن معاً أو للفتاة التي تذهب خارج محافظتها ربما إلى العاصمة لتدرس وتحافظ على نفسها وشخصيتها وتعود بمخزون علمي وفكري جيد ما عدا ذلك نرى بأن الدراما تعكس صورة المرأة التي ليس لديها اهتمامات فكرية وعملية وتركيزها هو على شكلها أو على بعض الأمور السطحية التافهة في حياة النساء. وإذا ما حاولت الدراما التصدي لصورة المرأة المتعلمة أو المثقفة فقد تظهرها متسلطة، وتطغى شخصيتها على الرجل كأم وزوجة وعاملة وربما عدة أدوار حسب وضعها الاجتماعي والأسري.
وأوضحت ريمة الحجار أنه قد يكون أكبر مطب تقع فيه الدراما السورية هو تعميم النماذج حيث أنها تعرض في العمل الواحد نموذجا لشخصية نسائية مريضة أو مأزومة، أو منحرفة وتكررها على أكثر من شخصية في نفس العمل أو في أعمال متتالية، مما يعطي صورة للمتلقي غير واقعية، ومرعبة تجاه المرأة، وقد تخوف الأهل وتضع حاجزاً بينهم وبين إرسال الفتاة للتعليم أو العمل خوفاً عليها من الانحراف أو الوقوع في شراك بعض الناس السيئة. قد يكون واجب الدراما التوعية ولكن بطريقة منطقية مع مراعاة أن من يشاهد كافة الأعمال الدرامية، هم مزيج من مختلف الشرائح العمرية والتعليمية والثقافية، وليسوا نخبة تستطيع التحليل، والتمييز وإسقاط بعض الأفكار، وغيرها من العمليات الذهنية المعقدة.
رسالة نبيلة
أما الكاتب جان الِكْسان فاعتبر أن سينما القطاع الخاص في سورية قدمت على عكس سينما القطاع العام المتمثل بالمؤسسة العامة للسينما أسوأ صورة للمرأة في سلسلة الأفلام التجارية تكشفها أسماؤها: شقة الحب، مقلب حب، رحلة حب، ذكرى ليلة حب، امرأة تسكن وحدها، عاريات بلا خطيئة، بنات الحب، غرام في أسطنبول، حب وكاراتيه، خياط للسيدات... إلخ، وعلى الرغم من النقلة النوعية التي حققتها الأعمال الدرامية التلفزيونية، في محاولة لتجاوز «النمطية السينمائية» إلا أن هذه النقلة كانت محدودة ومبتورة فأضيفت إلى نماذج نساء السينما، نماذج أقرب إلى السلبية مثل: سكرتيرة في شركة تغار منها زوجة المدير «في مسلسلات عدة» طالبة ضائعة في علاقاتها بين زملائها الطلبة، ولهذا تدور أكثر مشاهد هذه المسلسلات في حدائق وممرات كليات الجامعة، من دون الدخول في صميم واقع التحصيل العلمي، مثل مسلسل «العائلة والناس» المصري، ومسلسل «أحلام لا تموت» السوري، والشواهد كثيرة، وأضاف: هناك الكثير من الكتاب والمخرجين لا يزالون يقدمون المرأة في أعمالهم الفنية كعنصر إثارة وتلوين لا غير، تماماً كما يظهرونها في إعلانات السلع، وكأنها واحدة من البضائع المعروضة، وليس من الإنصاف أن يتجاهل هؤلاء النضال المرير الذي خاضته المرأة العربية، ولاتزال تخوضه، في سبيل تجاوز أسوار الحريم والخروج من قوقعة التخلف إلى شمس التحرر ومشاركة الرجل في بناء الوطن والمجتمع.. والمؤسف أن هذه الأعمال تقدم تحت ستار الفن الاستعراضي مثل «خلي بالك من زوزو» في السينما و«شارع محمد علي» في المسرح، وأفلام الإثارة التجارية التي قدمتها الفنانة إغراء في سورية من تأليفها وإنتاجها وإخراجها وبطولتها مثل «بنات الكاراتيه» «نساء للبيع» ومانزال نبحث في عروض الشاشة والمسرح عن الصورة الجديدة للمرأة العربية، عن فهم موضوعي ومنصف للعلاقات المعاصرة التي بدأت تتوسع في مجتمعنا من خلال هذه المشاركة العملية في كثير من المجالات، خصوصاً أن الفن لم يعد مدموغاً بمفهوم «العمل المشين» بل هو اليوم رسالة نبيلة، تؤديها المرأة، كما يؤديها الرجل، في سبيل تحريض المجتمع وتطوره والنهوض به.
ويرى أن المرأة اليوم موجودة في ميادين عدة تتطلب الاختصاص فيما كانت مقتصرة في السابق على الرجال كالعلوم والطب والتجارة والاقتصاد والإلكترونيات والمخابر العلمية والعمليات الجراحية والهندسة والشؤون الحقوقية والكلية العسكرية وسلك الشرطة، حتى الأعمال التي تتطلب جهداً عضلياً وكانت حتى وقت قريب وقفاً على الرجال، فقد اقتحمتها المرأة بجدارة، وتميزت في أدائها، إضافة إلى المناصب الأخرى، فهي وزيرة ونائبة في البرلمان، وأستاذة في الجامعة، وإدارية مسؤولة في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والثقافية والصحفية، بل رائدة في الإخراج السينمائي.. وفي هذه الميادين جميعها نماذج متفوقات وعاديات يمكن أن تكون مادة حيوية للأفلام والمسلسلات والمسرحيات تطرح من خلالها أبعاد الواقع الجديد لها.
وأكد أن الفرصة مازالت متاحة أمام العاملين في هذه المجالات لاستدراك ما فات، ومحاولة استطلاع واقع المرأة أمام العاملين في هذه المجالات، بجرأة وجدية، بعيداً عن لعبة أفلام المقاولات، ومسلسلات التسويق، والمسرح التجاري، وغير ذلك من أمثال هذه الأعمال التي أفسدت الذائقة الجماهيرية وأساءت إساءة بالغة إلى هذا النصف الجميل من المجتمع.
وعموماً، يمكننا القول إن الآراء تقاطعت في نقاط واختلفت في نقاط أخرى، لكن الأسئلة ظلت معلقة، لأن صورة المرأة في الدراما لا تتخطى واقعها، وبالتالي موقعها في النسيج المجتمعي والحياتي أكثر منه صورة مجردة في خيال كاتب أو كاميرا مخرج.