2010-06-23
شهدت أسعار السلع الفاخرة ارتفاعا ملحوظا -حسب مؤشر فوربس لتكلفة المعيشة الفائقة بنسبة 2.5%.. كما أعلن جوليوس باير أن عدد المستهلكين الأثرياء في الأسواق الناشئة ينمو بوتيرة سريعة وأنهم «مهووسون بالعلامات التجارية الفاخرة».
وفي منطقة الخليج أظهر استطلاع حديث أجرته إحدى كبريات المحلات في لندن حول عادات ارتداء الجينز في دول الخليج العربي، فجاءت النتائج لتؤكد ذلك.. حيث إن 1/3 المولعين بالموضة في هذه الدول يمتلكون على الأقل 15 جينزاً.. كما أن84% منهم يجد صعوبة في إيجاد جينز جيد!!20% منهم يقومون بالفعل بارتداء مجموعتهم كلها!! إذن لقد عاد مجتمع الاستهلاك من جديد.
في كتابه «علم اجتماع الاستهلاك» يشرح عالم الاجتماع الإنجليزي «جورج ريتزر» كيفية عيشتنا في مجتمع استهلاكي مُغرق في مبادئ الاستهلاك التي تجعل منه - بدلاً من كونه سدَّاً لحاجاتنا المادية العادية - سحراً وثقافة واسعة نتشرب منها الكثير، وننهل من معين الإعلام والإعلانات، مما يخلق لنا «مجتمع الاستهلاك» بمعناه المتعارف عليه.ولكن ما هو مجتمع الاستهلاك؟
في رأي جورج ريتزر فإن هذا المجتمع يقوم فقط وأولاً وأخيراً على استهلاك مؤسس على الزيف وتقديم السلعة في إطار أقرب إلى المسرحية والتمثيل والخداع، فهو يقدم للناس صورة مجتمعهم على أنه مجتمع سعيد مثالي يخلو من المشاكل، ومن تكتيكات هذا المجتمع الاستهلاكي التجاري الصرف، إنه «يخترع» الحاجات حتى قبل اختراع المنتوجات والماركات التي ستلبي هذه الحاجات! وأداته في ذلك الإعلام والإعلان.. إن المنتجين عبر الإعلان والإعلام ينشئون بل يزرعون داخل الناس القناعة الشديدة بحاجتهم إلى أشياء معينة، هم لا يحتاجون إليها بالفعل! وهكذا.. يخلقون الحاجة إلى السلعة ثم ينتجون السلعة ذاتها!
فهناك زرع للحاجة إلى الأمان والحب والاحترام والتقدير، حتى تأتي الدعايات لماركات بعودها السخية لمن يمتلك تلك الماركات بأنه سيحصل على الأمان والحب والاحترام والتقدير، وفوق ذلك «التفوق على الغير»!إنها ــ إذن ــ عملية التحول في حياتنا وبيوتنا وقلوبنا من حرب الاستعراض بيننا وبين الآخرين، إلى حبٍّ يصل إلى حدِّ الولاء التام لاستهلاك هذه الماركة أو تلك.
لذلك فإن «حرب التسوق والشراء تدور رحاها في عقل المستهلك.. وهناك يكسب الإنسان أو يخسر المعركة».. هكذا يقول الكاتب «جاك تروت» صاحب كتاب «ماركات عظيمة.. مشاكل كبيرة»، ليُعرّف المشكلة الحقيقية التي تكمن خلف ستار هوس الشراء للماركات دون الحاجة إليها بالفعل.
ولكن.. كيف يقع حبّ التسوق وحبّ الماركات في عقل المتسوق أو المستهلك؟
الجنز.. نموذجا بالأزرق
البنطال الجينز نتخذه هنا كمثال على مجتمع الاستهلاك المروج له بالإعلام.. فقد استشهدنا في المقدمة عن استطلاع حديث أجرته إحدى أكبر محلات التجزئة في المملكة المتحدة، حول عادة ارتداء الجينز في دول الخليج العربي.
وبين الاستطلاع، الذي أجري على 2000 عميل في كافة أنحاء الشرق الأوسط، أن الجينز، الذي تم اختراعه وتصميمه في عام 1873 للعمال، يعد من أهم قطع الملابس في العالم في يومنا هذا، كما أصبح إحدى القطع الأساسية في خزائن الملابس، متفوقاً على جميع خطوط الموضة خلال السنوات الـ 60 الماضية.
وبين هذا الإستطلاع أنه بالرغم من أن بعض المشاركين يمتلكون على الأقل جينزا واحدا لمصصم عالمي، إلا أن أفضل المحلات لشراء الجينز هي محلات التجزئة المعروفة، فيما أكد ثلث المشاركين بالاستطلاع أنهم يبتاعون الجينز من محلات التجزئة فقط.. .كما اختار 50% من المشاركين الجينز كالصيحة الحالية. وبالرغم من ذلك، وبسبب تغير الموضة باستمرار، اعترف واحد من عشر أشخاص بأنهم يحتفظون بمجموعتهم من الجينزات لأكثر من عشر سنوات على الأقل قبل التخلص منها! وهنا نأتي إلى النقطة المهمة.. حيث التغيير المستمر للموضة.. وما نعرف نحن المشاهدين بتغيير الموضة من موسم إلى موسم سوى من الإعلام.. سواء من برامج الموضة المنتشرة انتشارا رهيبا في إعلامنا العربي أو من الإعلانات التجارية التي تربط بين السير وفق الموضة والحيثيات الاجتماعية.. حيث القبول والتفوق على الآخرين والتمتع بالجاذبية الشخصية. الأمر الذي يدفع شركات الإنتاج مع شركات الإعلان والإعلام إلى تحالف قوي يسعى إلى معرفة سلوكيات واتجاهات الناس أو الجمهور المستهلك بغرض التأثير على عقلية ومشاعر ذلك الجمهور. لذلك.. ليس من الغريب أن يصرح أحد رؤساء قسم الأعمال لشركة ملابس في منطقة الشرق الأوسط قائلا إنه من الرائع التعرف على الطريقة التي يقوم بها الناس بالحصول على مجموعتهم من ملابس.. وليس من الغريب بالتالي أن تذكر الدراسات الخاصة بالإعلام والاستهلاك والملابس إن حقبة الخمسينيات من القرن الماضي صارت هي العصر الذهبي لرواج الجينز.. حيث أصبح الجينز رائجا وذا شعبية لدى الشباب، بل صار علامة على التمرد في سن المراهقة من خلال البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية.
فرضية الإعلام:
الإنسان حيوان استهلاكي
في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» يرى هربرت ماركوز أن الإعلان والدعاية والإعلام وسائل تقرر للفرد ماذا يختار من سلع وأدوات ألعاب ولهو وتسلية، وآراء في شؤون الحياة.. فما الترويح عن النفس، واللهو، والعمل والاستهلاك حسب إيحاءات الدعاية، وحب ما يحبــه الآخرون وبغض ما يبغضونه إلاّ حاجــات كاذبــة في أغلـب الأحيان... إنك لا تختار بوحي إرادتك.. إنه الإعلان والإعلام الذي يوجهك في الاختيار. المجتمع الاستهلاكي وانطلاقاً من فرضية الإعلام الإنسان حيوان استهلاكي.. حيث تتحول متع الاستهلاك إلى ضرورات، على حساب كل مطلب إنساني، من نوع آخر، غير استهلاكي. هذا المجتمع يحرّكه محرّك السوق: تجديد الاستهلاك في كل حين. لذلك ينشر الإعلام ما يسمى بـ«ثقافة الاستهلاك» وهي الثقافة التي تقوم على شراء الأشياء التي سنرميها بعيدا حين يروق لنا ذلك. ومن خلال ثقافة شراء الاشياء ورميها بعيدا، أقام المجتمع الاستهلاكي هويته الخاصة به.. وما يساعد في ذلك أيضا أن التكنولوجيا الحديثة قصرت من عمر أي منتج، فيتحول إلى بضاعة غير مفيدة أو يتجاوزه الزمن في بحر سنوات أو شهور قليلة. عندها يجد المستهلك نفسه «مضطرا» إلى تغيير ما لديه من منتج وشراء الجديد الأكثر كفاءة أو الأفضل نوعية.ومن معالم تلك الثقافة مبدأ «حب الاستعراض» ويتبع هذا المبدأ أولئك الأشخاص الذين يريدون الظهور أو التماهي مع الأفراد من ذوي الشأن في المجتمع.. بغض النظر عن كم سيكلفهم هذا التماهي والتشبه بالآخرين.. طالما أن الإعلام يعلي من شأن المظاهر والبذخ والاستعراض في الملابس أو حتى الأدوات الشخصية العادية.. ناهيك عن السيارات والسلع الأخرى.
وبالتالي.. ونتيجة لهذا الصراع الاجتماعي الذي تقحمنا فيه ثقافة الاستهلاك، وليدة الإعلام، وكما تروج لها إمبراطوريات الإعلام الغربية والعربية على حد سواء.. هناك حرب من نوع آخر هي حرب التسوق والشراء التي تدور رحاها في عقولنا.. حيث هناك ما يسمى بـ«الولاء للماركة»! فتتحول استعمالات الماركة من سدّ الاحتياجات العادية إلى سد احتياج نفسي آخر! «الماركة» تتحول إلى حالة من التميّز والمصداقية والجمال! فهناك رجل قد يفتقد الاحترام داخل المجتمع، فيلجأ إلى ماركة باهظة معينة؛ علها تقدم له هذا الاحترام! وامرأة تفتقد جذب الانتباه بجمال شخصيتها أو حتى جمال شكلها.. تسعى إلى «الماركة» لشد انتباه الآخرين. وهكذا يتحول الاستهلاك العادي لدينا إلى نوع من التعويض النفسي الاجتماعي نلمسه في الإقبال المحموم على سلع باهظة أو سلع لا نحتاجها أصلا.