فينا... وفي ما حولنا   الجماعـــات الإســلاميـــة بــين قبــول التعدديـــة... ورفضهــــا   حرية التعبير في الفضاء... بلغة المختبرات   النقد الثقافي بديلاً عن النقد الأدبي محاولة إقصاء أم حتمية تغير وتجديد؟!   خليفة القطان «رحمه الله»   سرد تقليدي... وفانتازيا التورية   هــل لدينــا نقــد أدبـــي؟   شَــجــــر البحــــــــرِ   تجـــربــــة أحــفـــــاد   لهذه الأسباب... المعتزلة (2)   أسباب للبهجة والتعاطف الإنساني   أيتهـــا الفرقـــة الضالــــة ...   الضفــــدعــــة   الكويــــت الثقافيـــة فـــي شهــــر مهرجان الصيف الثقافي   سلطـــان القاسمــي... الحاكــم المثقـف   مدن على ساحل الخليج العربي في المعاجم وكتب الرحالة... وفجر التاريخ   أجنحة إقامة فخمة... والحجز مسبق   أسبابه وطرق اتقائه والمخاطر الجانبية لأدويته الربو يضيّـق صدر... الطب!   متلازمـــة هـــزّ الرضيــــع   البقــع النفطيــــة آفـــة البيئـــة البحريـــة   الثقافة في وسائل الإعلام   موســــم الهجــــرة إلـــــى الطيـــور!   «مؤسسة البرامج الخليجية» ستمول إنتاجها   الزار... المالد... والذكر   من اليومي... إلى ما فوقه   حــــــــوارات وإسـقــاطـــــات والمعركــــة تتواصــل بـــين الخيـــر والشــــــر   حكاية بسيطة ورسالة اجتماعية عميقة   من كواليس الغناء في العصر الذهبي شعر «الأطلال» من قصيدتين لا واحدة!   علي المفيدي: المسرح الكويتي ليس تسلية فقط!   زينة المرأة الأفريقية الأبعــــاد والـــــدلالات   هل عرفنا المعقول... حتى نجرب اللامعقول؟   الرجــل فـــي عينيهـــا   النفط وتدهور التعليم والثقافة   من مضارب البدو... الى ملاعب الكريكت   ملاحظات على الخطاب الامنى الجديد لولايات المتحدة الامريكية   في انتظار «رصاصة» الدكتوراه!   الجمعية الكويتية لزراعة الأعضاء... إحيــاء النفـس... وإعــادة الأمـــل   المــــرأة فــــي ثــــلاث قصــص   النتيجة


د. بغداد عبد المنعم

النقد الثقافي بديلاً عن النقد الأدبي محاولة إقصاء أم حتمية تغير وتجديد؟!

النقد الثقافي بديلاً عن النقد الأدبي محاولة إقصاء أم حتمية تغير وتجديد؟!

 

 

 

منذ ظهور الدراسات المتعلقة باتجاهات ما بعد الحداثة في ستينيات القرن الماضي وتكريس السمة الاستهلاكية للعصر، وبروز مشارب وقنوات أخرى للمعرفة أهمها الثقافة البصرية، مع كل ما تحدثه الصورة فينا من دهشة وإرباك، منذ ذلك الحين والأسئلة الملحة تتوارد إلينا حول بعض الاتجاهات والدراسات الأدبية، فلم تعد عبارات من مثل «الأدب الرصين» أو «الدراسات الأكاديمية الجادة» تسترعي انتباهنا أو فضولنا أو حتى رغبتنا بالانضمام إليها، لأن هذه الدراسات الأدبية الجادة باتت موضع سؤال عن أهميتها أو جدواها، وهي قابلة للتشكيك أيضاً.

هناك الآن من يعلن دون خجل أو مواربة «موت الأدب» حيث الغلبة أصبحت للدراسات الثقافية القائمة على دراسة ونقد الأنساق الثقافية المتغلغلة في بنية مجتمع ما، ومن هنا كان ظهور مصطلح «النقد الثقافي» مع كل ما تحمله كلمة «ثقافة» من دلالة اجتماعية وسياسية وتاريخية أو هي بعبارة موجزة أسلوب العيش والحياة أو طريقة التفكير، كما ورد تعريفها في بعض المعاجم.

وقد آثرنا أن نجري هذا التحقيق مع بعض أساتذة الجامعة في الكويت حول سؤال «النقد الثقافي» وعما إذا كان بديلاً «للنقد الأدبي» وعن مصير الأدب بشكل عام، يذكر أن هذه الأسئلة باتت تطرح بشكل متسارع منذ أن ظهر كتاب «النقد الثقافي» العام 2000 للدكتور عبدالله الغذامي وأجريت حوله مناقشات كثيرة، كما قد خصص المؤتمر الدولي الثاني للنقد الأدبي في القاهرة لتناول النقد الثقافي بديلاً عن النقد الأدبي، وذلك في العام 2000م.

مفتتح حديثنا كان مع الدكتور مرسل العجمي وسؤال هل النقد الثقافي يؤدي إلى إلغاء النقد الأدبي؟

ـ من حيث الإلغاء هو لا يلغي النقد الأدبي، لأن النقد الأدبي إطار عام، وهو في جوهره مبحث إنساني ومحاولة بشرية لتفسير النصوص والبحث عن قوانين تنظمها، والنقد الثقافي يعتبر حلقة من ضمن حلقات النقد الأدبي، وقد يكون هو الابن الأخير للنقد الأدبي في القرن العشرين، فالنقد الأدبي أعم والنقد الثقافي أخص، النقد الثقافي جزء من النقد الأدبي، والجزء لا يلغي الكل، النقد الأدبي موجود قبل النقد الثقافي وسيبقى، والنقد الثقافي ممارسة نقدية راهنة آنية، تضيف إلى مسار النقد العام إسهاماً، وفي نهاية المطاف النقد الثقافي ما هو إلا محاولة لنقل النقد الأدبي إلى آفاق أوسع، ومع النقد الثقافي يصبح النقد الأدبي شاقاً وشائقاً وشائكاً لأنه يصبح مبحثاً متداخل الاختصاصات.

آفاق فلسفية

وعما إذا كان النقد الثقافي أوسع مجالاً من النقد الأدبي، وذلك بسبب تناولاته المتفرعة في السياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد، وعن علاقة النقد الأدبي بالفلسفة، أجاب د. العجمي أن النقد الأدبي ممزوج بالفلسفة، وممزوج بنظرة العالم وطريقة تفسير العالم، لو رجعنا إلى أفلاطون وأرسطو نجد المحاكاة، ومفهوم المحاكاة هو محاولة تفسير لكينونة الأدب، وهذا مبحث نقدي صريح وصميم ومحاولة «موضعة» الكتابات الأدبية في سياق اجتماعي وفلسفي وثقافي، من هنا طرد أفلاطون الشعراء من الجمهورية، ومن هنا قال أرسطو:

إن الشعر أعمق من الفلسفة وأصدق من التاريخ، فهو من القديم ينظر إلى الناقد بأنه حكيم، فالناقد الحق حديثاً يضطر إلى الاطلاع، بحيث يستطيع أن يعرف النسق الثقافي العام الذي يعيش فيه، وإلا سيصبح قاصراً، لأن الأديب الحق أيضاً أديب يعيش في عصره ويفترض أنه يتمثل أو قد هضم ما سبقه أدبياً، واعتماد النقد على الأدب يجعل الأدب موضوعاً منفتحاً على الثقافة بشموليتها وصيرورتها، وأكرر أن النقد الثقافي جزء من النقد الأدبي، وهذا ما جعل بؤرة الاهتمام تتوسع بهذه التعالقات الثقافية، وهذا النسق الثقافي العام، ومن هنا تبدو إسهامات النقد الثقافي.

الدراسات العربية

وعن كيفية وصول مصطلح النقد الثقافي إلى الدراسات العربية، والمراحل التي قطعها في الدراسات الغربية قبل أن يصل إلينا، قال د. العجمي: إن مصطلح «النقد الثقافي» في منبته الغربي معتمد على تيارين أو مدرستين: «مدرسة فرانكفورت في ألمانيا» ومدرسة «برمنجهام» في إنجلترا، وهاتان المدرستان تعتمدان على الدراسات الاجتماعية، فمن أبرز المنظرين لمدرسة فرانكفورت ماركوزا صاحب كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» وقد تنبأ إلى عملية اختزال وفرض قنوات الاتصال الإعلامي على المواطن وجعل هذا المواطن مستلباً، ويركز في كتابه على الإعلانات وكيف يحاول المعلن أن يوحد الناس ويجعلهم يقبلون على المنتج المعلن عنه، وطبعاً لن يتم هذا إلا إذا صار هذا المنتج محبباً ومقبولاً ومصدراً إما «للأبهة» أو «التفاخر» الذي يعكس الأنوثة أو الرجولة، وهذا بدوره لن يكون إلا إذا عمم هذا النمط الاستهلاكي وأصبح مطلوباً ومبتغى، ومن هنا يأتي مغزى كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد».

مطلب حضاري

هل النقد الثقافي مكمل للنقد الأدبي أم هو نقيض له؟ هذا السؤال كان بداية حديثنا مع الدكتورة سعاد عبدالوهاب التي أجابت:

لهذا الطرح بدايتان: الأولى منهجية، والأخرى شخصية تتصل باجتهاد الناقد، بالنسبة للمنهج أقول إن النقد الثقافي أحد مداخل النظرية النقدية الحديثة، التي يحق للناقد أن يتخذها طريقاً إلى العمل الأدبي في مجال النقد التطبيقي وكما تعرف فإن الكلام عن النقد الثقافي والترويج له لم ينشط إلا بعد أن خمدت نيران وانقشع دخان «الحداثة» بفوائدها المحدودة، وادعاءاتها العريضة، أما صاحب الأنساق الثقافية، وهو الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي الذي نكن له احتراماً، ونقدر جهده في التعامل مع النظريات الحديثة في النقد العالمي، وتعريبها من خلال التطبيق، وهذا جهد ليس بالقليل، فإن خطوته في الأنساق الثقافية مترتبة على خطوة سبقتها منذ عامين عن النقد الثقافي، فهو هنا يستكمل ما بدأه، من ثم يكون الكلام أجدى لو بدأنا من الأصل، وهو النقد الثقافي.

كما ترى فإن النقد الثقافي ليس مكملاً، وليس مناقضاً، إنه أحد الشوارع التي توصل إلى المدينة (وهي في هذه الصورة المجازية: العمل الإبداعي) فكما أن النقد الشكلاني، والنقد الموضوعاتي، والنقد السيكولوجي... وغيرها هي طرق أو شوارع أو مناهج تهدف إلى أن تكون وسيلة كشف أو وصف أو تحليل للعمل الإبداعي، فكذلك شأن النقد الثقافي، والكلام في الأنساق ليس أكثر من تفصيل، أو محاولة لتنظيم طروحات النقد الثقافي وتوجيه أدوات الناقد للتعامل به، ومعه، بآلياته وغاياته لتتفق الوسيلة والهدف وهكذا ترى أن النقد الثقافي يمكن أن يصنف على أنه عودة إلى ما قبل الحداثة، إلى النقد الاجتماعي الموسع، وأعني بالموسع أنه ليس تماماً النقد السيسولوجي الذي يرى أن الأدب (العمل الأدبي) انعكاس لبنية المجتمع وعلاقاته وأنشطته وموروثاته، فهذه الصيغة تم الاعتراض عليها منذ نصف قرن أو أكثر، إن النقد الثقافي لا ينكر ذلك، ولكنه لا يتوقف عنده، إنه يتجاوزه بأن يُعنى بشخصية الناقد، وتكوينه، وعالمه، ورؤيته الشاملة في الحياة، وموروثه البعيد جداً، وبهذا انتهى عصر إعلان «موت المؤلف» وعصر الاحتكام إلى التلقي وانطباع القارىء، وعصر «اعتصار» لغة النص بمعزل عن مبدعه وعن ظروفه فها هو ذا النقد الثقافي يعيد الكرة إلى ثوابت أو ما كانت ثوابت نقدية في مطلع القرن العشرين ولا أريد إن أقول إننا في عصر ردة ثقافية أو أننا ندور في فلك مغلق نعيد ما سبق إنتاجه ولكن أقول أن النقد الثقافي في هذا العصر بصفة خاصة هو مطلب حضاري لأنك تعرف أن دعاوي العولمة تسعى إلى طمس الفروق بين الحضارات لتسود حضارة بعينها كما أن العولمة الثقافية تغري بالتعلق بالجمالية وإهمال القيمة وهذا يلحق بنا ـ كثقافة عربية ذات خصوصية وماض عريق ـ ضرراً بالغاً وأريد أن أقول إن النقد الثقافي يعيد إلينا أدبنا ويعيد إلينا معاييرنا في تذوق هذا الأدب وإبراز خصوصيته وجمالياته منطلقاً من احترام التجربة المميزة والأسلوب الخاص وأنت تعرف أن ناقداً فرنسياً في أواخر القرن التاسع عشر عاش عصر ازدهار النظريات العلمية يدعى «هيبوليت تين» رأى أن الآداب العالمية تنتمي إلى «أسر» كما تنتمي الفصائل البشرية والحيوانية بل والنباتية ورأى هذا الناقد الفرنسي أن التمايز بين الآداب يرجع إلى الجنس أي السلالة والبيئة ويعني البيئة الجغرافية والاجتماعية والعملية أي أنشطة السكان ثم أخيراً أثر الماضي في الحاضر.

فأقول لك أخيراً إننا بهذه الجوانب الثلاثة دون مبالغة نختلف عن أي أدب في العالم، فتاريخنا نحن صنعناه ولا يشبه أي تاريخ آخر وبيئتنا بأبعادها فيها هذه الخصوصية أما العرق أو القومية العربية، فلا خلاف عليها مهما تجمعت المطامع حولها للتشكيك فيها بعبارة أخرى، النقد الثقافي يمثل حركة قديمة جديدة يمكن أن نقول إنها صحوة ورد اعتبار لما كان قبل موجة الحداثة التي لا نعارض في الأخذ بها، ولكن دون إغلاق أبواب الاجتهاد النقدي والأدبي أمام المناهج الأخرى.

هيمنة الصوت الواحد

وقد تطرق د. عباس يوسف الحداد في بداية حديثه لمصطلح النقد الثقافي قائلاً:

ولد هذا المصطلح كغيره من المصطلحات النقدية والأدبية في الغرب، وتردد في الأفق النقدي العربي على نحو لافت في نهاية التسعينات، وبداية الألفية الثالثة، ثم خبا حضوره وتوارى فلا نكاد نسمع له في هذه الأيام ذكرا أو نقرأ عنه شيئاً.

وقد كان الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي هو الداعي لهذا النوع من النقد في العالم العربي، وربما كان كتابه «النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية 2000م» المحاولة الوحيدة المعروفة لدينا عن هذا الضرب من النقد، فقد اعتمد في كتابه هذا على محاولة «فنسنت ليتش» (1992م) تلك المحاولة التي مايزت بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، وحددت سمات كل منهما ونقاط الاختلاف والاشتراك في بعض الاهتمامات

إن الدعوة التي يدعو لها الدكتور الغذامي تنحو نحو وأد النقد الأدبي وتنصيب النقد الثقافي بديلاً عنه على عرش الدراسات النقدية، باعتبار أن النقد الأدبي لم يعد يستوعب الكثير من الجوانب التي يستوعبها النقد الثقافي الذي يركز على الثقافة الشعبية والجماهيرية وكل مظاهر الحياة وتجلياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعمرانية... إلخ.

وذلك لأن النقد الأدبي حصر نفسه في دراسة الخطاب والنظرية الأدبية واقتصر على عدد من القراء المتخصصين والنخب الثقافية، كما أنه بات محدوداً في تناوله متعالياً في لغته على قارئه.

ولمناقشة هذا الموضوع لابد أن نتفق أولاً على أن الدعوة إلى استبدال النقد الثقافي بالنقد الأدبي دعوة إقصاء ووأد لطرف على حساب طرف آخر، إذ الدعوة إلى ترسيخ سمات النقد الثقافي وتكريس العمل حوله ليكون متصدراً الدراسات النقدية هي دعوة لا تخلو من الهيمنة والتفرد وفرض الصوت الواحد وإسكات بقية الأصوات.

ولا أتصور أن نناقش مصطلح «النقد الثقافي» بوصفه بديلاً للنقد الأدبي ونحن لا نملك حتى الآن اتفاقاً نقدياً حول المصطلح ومدلولاته، كما لا يوجد اتفاق حول توحيد المصطلح النقدي والأدبي الذي يعيش منذ زمن حالة من الفوضى والفردانية في الاصطلاح، فكل يترجم المصطلح المجلوب من الغرب ترجمة شخصية تجعل القارىء يضطرب في فهم المصطلح بين ناقد وآخر، ولا يمكن ـ بالتالي ـ الحديث عن «نقد ثقافي» في ظل غياب الاتفاق حول المصطلح النقدي ووضع معجم نقدي يكون مرجعاً للنقاد والقراء على السواء.

الأمر الآخر لماذا يكون طرح «النقد الثقافي» على النحو الإقصائي الذي يرى أن النقد الثقافي هو بديل عن النقد الأدبي، وبذلك لابد من موت النقد الأدبي وتكريس الحديث والعمل حول «النقد الثقافي».

وقد دعا لمثل هذه الدعوة المؤتمر الدولي الثاني للنقد الأدبي الذي عقد في الفاهرة في العام 2000م والذي قرر أن يستبدل النقد الثقافي بالنقد الأدبي، ويصبح المؤتمر في دورته الثالثة تحت عنوان «النقد الثقافي».

وأحسب أن هذه الدعوة على خلاف مع ما دعا إليه «ليتش» الذي رفض الفصل بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، إذ النقد الثقافي الذي يدعو له ليتش نقد يستوعب متغيرات ما بعد البنيوية برفضها للعقلانية التنويرية وعدم اكتراثها بالمرجعيات الأساسية.

وأرى أن التعايش الفكري والفعلي والتعاون النقدي بين النقد الأدبي والنقد الثقافي أكثر فاعلية من إحياء أحدهما ووأد الآخر.

وإن أردنا أن نجعل للنقد الثقافي وجوداً وحضوراً فاعلاً ومنتجاً بيننا فلابد من السعي نحو إيجاد الخطوط الدقيقة الرابطة له بالنقد الأدبي، حتى يتم الاستثمار الفعلي من الجهود النقدية الأدبية، والإفادة منها في حقل النقد الثقافي الذي في تقديري ـ إن مضى على هذا النحو التصالحي ـ سيجعل من تلك الشراكة حركة نقدية نشطة توازي الحركة الإبداعية النشطة التي نشهدها اليوم في العالم العربي، وتستوعب مدارات ومسارات الفعل النقدي الأدبي، وتفضي إلى التجاور والتحاور بين الاتجاهات النقدية والثقافية بعيداً عن الوقوع في شرك التقعيد والتنظير المنفرين، وخلق آلية جديدة في التعامل مع النص وتحليل الأنساق والسياق بما يعود على الفعل الإبداعي بالتقويم والتقييم من أجل الاستمرار، إذ الوقوف ـ كما يقال ـ سقوط.

التصنيف المؤسساتي

وفي الإطار ذاته تحدث إلينا د. بسام قطوس عن بدايات ظهور النقد الثقافي فقال:

النقد الثقافي صرعة من صرعات الفكر الغربي في جريه ولهاثة المستمر نحو تجاوز الحداثة وما بعد الحداثة. وينظر إليه بوصفه مظلة واسعة تضم تحتها الاتجاهات النقدية الغربية كالتاريخانية الجديدة، والمادية الثقافية، وما بعد الكولونيالية، والنقد النسوي. ويتبنى منظوره على اختلافهم، مشروعا نقديا يؤكد أهمية العودة إلى النص والإفادة من كل ما تنتجه السوسيولوجيا والتاريخ والسياسة والمؤسساتية. وهو محاولة لتجاوز التصنيف المؤسساتي للنص بوصفه وثيقة جمالية ودعوة إلى الانفتاح على الخطاب بوصفه ظاهرة ثقافية أوسع له نظامه الإفصاحي الخاص.

وأضاف موضحا علاقة النقد الثقافي بالواقع الاجتماعي والسياسي!

يبدو مشروع النقد الثقافي في الغرب مفهوما في سياقاته التاريخيه والاجتماعية والسياسية ودوافعه المعرفية. ولعل استعراضا سريعا لبعض الموسوعات النقدية الغربية ولبعض فهارس الكتب التي درست النظرية الأدبية المعاصرة يطلعنا على تداخل عنوانات مثل:

(Anthropolog, Poli tics,Ideology) مع النقد الثقافي، وكيف يتم الحديث عن النقد الثقافي من خلال هذه المصطلحات. ولا يمكن قدادة النقد الثقافي بمعزل عن موجة أوسع تضرب بجذورها في نقد جاك ديريدا منظر التفكيك للمركزية الغربية، التي تهمش الآخر، وتذهب إلى أبعد من ذلك بالمطالبة بالتعددية الثقافية (السود بإزاء البيض) (والنسوية بإزاء الذكورية) ونبذ ما اصطلح عليه بـ (التيار المؤسساتي الرسمي). ومن أبرز دعاة النقد الثقافي فنسنت ليتش V.Leitch ، الذي وصفه بأنه نقد يجاوز البنوية وما بعدها، ويفيد من مناهج التحليل المختلفة كتأويل النص ودراسة الخلفية التاريخية، بالإضافة إلى إفادته من الموقف الثقافي النقدي.

وعما اذا كان النقد الثقافي إعلاناً حقيقياً لموت النقد الأدبي يقول د. قطوس:

لم يكن النقد الثقافي إعلانا لموت النقد الأدبي ولن يكون، فالمناهج النقدية لا تموت وإنما تنبعث في النظريات أو المناهج النقدية اللاحقة. صحيح أنها قد تتجاوز ولكنها تظل جزءا من تاريخ حركة النقد وتطوره، ويظل للتراكم المعرفي الدور الأسمى في تطور النظرية النقدية، والنقد الثقافي ليس جديداً، فهو موجود في كل ممارسة نقدية، كما أنه يبدو من المستحيل فك الارتباط بين ما هو نقدي وما هو ثقافي، فالثقافة لا يمكن تعريفها بمعزل عن مجتمعاتها التي تنتجها، والنقد ليس جهداً خارج الثقافة، بل هو جهد فكري وعقلي وتأملي أي ثقافي، والممارسة النقدية هي ممارسة ثقافية بل ممارسة لأرقى أشكال الثقافة، وأرى أن تسمية «النقد الثقافي» مضللة ومتحيزة، ويقوم الجزء الثاني منها، بمصادرة الجزء الأول، فالنقد دائماً يمارس فعلا ثقافيا، وفي الوقت الذي تبدو فيه الثقافة بمعناها العام أعم وأشمل من النقد، فإن النقد الذي يسائل أدواته هو الذي يطوع الثقافة لمصلحته ليدخلها في دائرته، فتغدو جزءاً من الفعل النقدي الذي يستأنس الثقافة ويستوعبها حتى لا أقول يدجنها.

عبد الله الغذامي

وسألناه أخيراً عن كتاب الدكتور عبدالله الغذامي وتأثيراته على الوضع الثقافي العربي فأجاب د. قطوس:

بالنسبة لكتاب الناقد العربي د. عبدالله الغذامي «النقد الثقافي» فهو يحتاج إلى وقفة لا يسمح بها المقام، ولكن أبرز ما فيه مما يحضرني للتو وسمه الثقافة العربية والنتاج الأدبي العربي بـ«الشعرنة»، وهو وصف وإن اتفق معه فيه آخرون، فربما خالفه فيه كثيرون ممن يعتقدون بأن الشعر العربي لم يفقد انتماءه إلى سياقاته الثقافية والمعرفية، فالشعري أو الجمالي في الشعر بعامة وفي الشعر العربي بخاصة مندمج في الفكري والإنساني والحضاري، بل ومنصهر فيه على نحو جدلي، ونحن بطبيعة الحال لا ننكر أهمية أن نفزع إلى السياق الثقافي من ضمن سياقات تواصلية أخرى مهمة قد تسهم في دراسة الأدب وفك بعض رموزه المخفية أو المطمورة.

 


العدد : 263
2005-09-01

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم