فينا... وفي ما حولنا   الجماعـــات الإســلاميـــة بــين قبــول التعدديـــة... ورفضهــــا   حرية التعبير في الفضاء... بلغة المختبرات   النقد الثقافي بديلاً عن النقد الأدبي محاولة إقصاء أم حتمية تغير وتجديد؟!   خليفة القطان «رحمه الله»   سرد تقليدي... وفانتازيا التورية   هــل لدينــا نقــد أدبـــي؟   شَــجــــر البحــــــــرِ   تجـــربــــة أحــفـــــاد   لهذه الأسباب... المعتزلة (2)   أسباب للبهجة والتعاطف الإنساني   أيتهـــا الفرقـــة الضالــــة ...   الضفــــدعــــة   الكويــــت الثقافيـــة فـــي شهــــر مهرجان الصيف الثقافي   سلطـــان القاسمــي... الحاكــم المثقـف   مدن على ساحل الخليج العربي في المعاجم وكتب الرحالة... وفجر التاريخ   أجنحة إقامة فخمة... والحجز مسبق   أسبابه وطرق اتقائه والمخاطر الجانبية لأدويته الربو يضيّـق صدر... الطب!   متلازمـــة هـــزّ الرضيــــع   البقــع النفطيــــة آفـــة البيئـــة البحريـــة   الثقافة في وسائل الإعلام   موســــم الهجــــرة إلـــــى الطيـــور!   «مؤسسة البرامج الخليجية» ستمول إنتاجها   الزار... المالد... والذكر   من اليومي... إلى ما فوقه   حــــــــوارات وإسـقــاطـــــات والمعركــــة تتواصــل بـــين الخيـــر والشــــــر   حكاية بسيطة ورسالة اجتماعية عميقة   من كواليس الغناء في العصر الذهبي شعر «الأطلال» من قصيدتين لا واحدة!   علي المفيدي: المسرح الكويتي ليس تسلية فقط!   زينة المرأة الأفريقية الأبعــــاد والـــــدلالات   هل عرفنا المعقول... حتى نجرب اللامعقول؟   الرجــل فـــي عينيهـــا   النفط وتدهور التعليم والثقافة   من مضارب البدو... الى ملاعب الكريكت   ملاحظات على الخطاب الامنى الجديد لولايات المتحدة الامريكية   في انتظار «رصاصة» الدكتوراه!   الجمعية الكويتية لزراعة الأعضاء... إحيــاء النفـس... وإعــادة الأمـــل   المــــرأة فــــي ثــــلاث قصــص   النتيجة


يحيى السيد النجار

البقــع النفطيــــة آفـــة البيئـــة البحريـــة

البقــع النفطيــــة آفـــة البيئـــة البحريـــة

 

 

«البيئة» Environment هي مجموعة العوامل البيولوجية والكيميائية والطبيعية والجغرافية والمناخية المحيطة بالإنسان وبالمساحة التي يقطنها والتي تحدد نشاطه واتجاهاته وتؤثر في سلوكه ونظام حياته. بمعنى أنها جميع العوامل الحيوية وغير الحيوية التي تؤثر في الكائن الحي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أية فترة من تاريخ حياته.

أما «التلوث» Pollution فهو التغير في الخواص البيولوجية والكيميائىة والطبيعية والجغرافية والمناخية المحيطة بالإنسان، الذي قد يسبب إضراراً بحياة الإنسان أو غيره من الكائنات الحية (حيوانية أو نباتية أو بحرية) أو يسبب تلفاً في العمليات الصناعية واضطراباً في الظروف المعيشية بوجه عام، لأن الملوثات البيئية بكل أقسامها وأشكالها تؤثر سلبياً في الموارد الأساسية التي يعتمد عليها الإنسان في حياته.

التلوث البحري

هناك عدة تعاريف للتلوث البحري، وهي وإن اختلفت في صياغتها تتفق فيما بينها على إرجاع التلوث البحري إلى الأنشطة المختلفة التي تؤثر في المسطحات المائية وتضر بالبيئة البحرية.

جذبت البيئة البحرية اهتمام العلماء، نظراً لما تدخره من الثروات الحية، وغير الحية، وكذلك لأهمية المياه التي من دونها تتوقف الحياة، فالماء يوازي في أهميته الأكسجين، الذي يطلق عليه «غاز الحياة» وفي الماء قال تعالى «وجعلنا من الماء كل شيء حي» (الأنبياء: 30).

والمسطحات المائية لها دور كبير في تلطيف المناخ الجوي، وتستعمل كوسيلة هامة لربط الأقطار بعضها ببعض، إذ إن المياه تغطي أكثر من 70% من مساحة الكرة الأرضية.

وقد تعرض الغلاف المائي أخيراً لأخطار كبيرة، وتعددت أنواع ملوثاته ومصادرها وطرق وصولها إلى الغلاف المائي، وأكثر هذه الملوثات مع تعددها له تأثيره السام المباشر على الحيوانات والنباتات البحرية، ويعنينا منها هنا كميات النفط التي تسكبها الناقلات (حوالي 5،1 مليون طن سنوياً) والتي تؤدي إلى عدم تبادل الأكسجين الجوي مع الماء، وبذلك تختنق الكائنات البحرية.

هذا التلوث بمخلفات النفط لا يقتصر على الأنهار والبحيرات فقط، بل يمتد أثره إلى مياه البحاروالمحيطات على رغم اتساع رقعتها، خصوصاً حول المناطق الصناعية المقامة على شواطىء البحار، وكذلك حول المدن الكبيرة التي يدخل إليها ويخرج منها، مختلف أنواع السفن وناقلات النفط العملاقة.

ويعتبر الخليج العربي من أكثر الممرات المائية تلوثاً لمجاورته للآبار ولكونه ممراً للناقلات التي تشحن حمولتها على شواطئه. وذلك فضلاً عما شهده خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية مما سمي «حرب الناقلات» التي أدت إلى تسرب كميات هائلة من الزيت في مياه الخليج، ثم تلتها «حرب الخليج الثانية» التي أدت بدورها إلى تكوين بقعة زيت هائلة تسببت في أضرار بالغة للبىئة البحرية من طيور وأسماك وكائنات حية.

ويعد زيت النفط من أهم مصادر التلوث البحري، فالمكونات الثقيلة من بقعة الزيت غير القابلة للتطاير ولا للذوبان تظل طافية فوق سطح الماء لمدة طويلة، وتتحول إلى كتلة سوداء متفاوتة الأحجام تعرف باسم «كرات القار» Tar Balls التي تضر بالشواطىء والمياه وكل الكائنات الحية في المسطحات المائية.

الملوثات النفطية

في أي حالة من حالات انسكاب النفط يتم تحرير مجموعة كبيرة من المركبات «الهيدروكربونية» بنسب متباينة. وتشمل المكونات النفطية القابلة للذوبان في الماء (من الزيوت الخام والمنتجات المكررة) مجموعة من المركبات، التي تتصف بكونها سامة ـ بدرجات مختلفة ـ وتضر بكثير من الأحياء والنباتات المائية، التي تتباين من حيث درجة حساسيتها للتلوث النفطي، ويعتمد ذلك على كثير من العوامل، أهمها عاملان:

ـ عمر الأحياء المائية ودرجة نضجها، ويعد البيض واليرقات والأحياء الصغيرة السن ـ بوجه عام ـ أكثر حساسية من الأحياء البالغة.

ـ طبيعة الملوثات النفطية ومدى سميتها وقت تعرض الأحياء المائية للتلوث الناجم عن البقع النفطية، إذ يختلف تركيز «الهيدروكربونات» في الصيف عن الشتاء كما تختلف «اللزوجة» بفعل تأثير حرارة الجو.

ونظراً لأن زيت النفط أخف كثافة من الماء، فإنه يكوّن طبقة رقيقة تنتشر وتطفو تدريجياً فوق سطحه لتشكل طبقة عازلة تمنع تجدد الأكسجين، ما يؤدي إلى هلاك كثير من الأحياء المائية نتيجة الاختناق، لأن الموت اختناقاً هو أكثر الأخطار التي تهدد الأحياء البحرية عند حدوث البقع النفطية التي تتسع رقعتها بمرور الوقت بفعل الأمواج والرياح وتلوث الماء بالمواد السامة بدءاً من السطح وصولاً إلى قاع البحر، وقد يصحبها نوع آخر من التلوث يشبه التلوث الكيميائي.

حوادث بحرية

هناك أسباب عدة لتلوث البحر بالبقع النفطية منها:

1ـ بعض الحوادث التي تقع أحياناً أثناء عملية الحفر في المغمورة، لاستخراج النفط من الآبار أو التحميل على الموانىء.

2ـ يحدث نتيجة تسرب النفط بسبب تلف بعض خطوط الأنابيب التي تنقل الزيت من منابعه إلى شواطىء البحار.

3ـ قد ينتج جزء كبير من هذا التلوث من إلقاء بعض النفايات والمخلفات النفطية من ناقلات النفط في عرض البحر.

4ـ حوادث التسرب من سفن شحن المنتجات النفطية وتفريغها أثناء رحلاتها بين موانىء التحميل والتفريغ، وأبرزها الحادث الذي وقع على سواحل البحرين، حيث تجمعت بقعة زيت كبيرة من تسرب النفط من ناقلة كان يجري شحنها، وكان لهذا الحادث آثار وخيمة على الشواطىء البحرينية.

5ـ غرق بعض ناقلات النفط مثل الناقلة «آرجو مرشانت» في 1976م أمام منطقة رأس كود، وتدفق كميات نفط كبيرة منها قدرت بنحو 40 ألف طن، والناقلة العملاقة «أموكو كاديز» في العام 1978م أمام الشاطىء الفرنسي، وكانت حمولتها تصل إلى 220 ألف طن من الزيت الخام العربي (الكويتي)... وغيرهما كثير.

ولا تقتصر الحوادث البحرية على حوادث الناقلات فقط، فهناك بعض الأحداث الأخرى التي شاركت في تلوث مياه البحر بالبقع النفطية كالانفجارات ومنها على سبيل المثال:

ـ تفجر الزيت في عام 1977م في بحر الشمال، الذي أدى إلى تلوث مياهه بنحو 25ألف طن من النفط الخام.

ـ الانفجار الذي حدث في إحدى آبار النفط في قنة «سانتا باربارا» بولاية كاليفورنيا، حيث تسبب في انتشار كميات هائلة من الزيت فوق سطح الماء.

ولعل ما حدث في الخليج العربي إبان حربي الخليج الأولى والثانية ليس ببعيد عن أذهاننا، وخاصة الحرب الثانية التي جعلته منطقة كوارث بيئية لاستخدام النفط كهدف تخريبي بدءاً من البقع النفطية حتى إشعال الآبار النفطية، وما ترتب على ذلك من إضرار بالبيئة البحرية بمختلف مكوناتها.

الأعشاب البحرية

تحتل الأعشاب مكانة مهمة في البيئة البحرية وفي الهرم الغذائي للأحياء المائية. ولأنها تزدهر في مناطق التقاء البحر باليابسة، فإنها أكثر عرضة للملوثات الناتجة عن البقع النفطية.

وكانت حادثة الانسكاب النفطي في الخليج العربي، التي وقعت في أواخر كانون الثاني/ يناير 1991م فرصة لإجراء دراسة ميدانية على أثر البقع النفطية في الأعشاب البحرية.

وقامت سفينة الأبحاث «ميتشيل» التابعة للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات «نوا» برحلة «الأيام المئة» بهدف دراسة الأضرار التي أحدثتها البقع النفطية بالقرب من الساحل السعودي.

وقام العلماء الموجودون في هذه السفينة بفحص أعشاب البحر في عدد من الخلجان الملوثة على طول الساحل الشمالي الشرقي للمملكة العربية السعودية.

وبرغم أن نتائج الأبحاث أشارت إلى أن هذه الأعشاب لم تتعرض لأضرار كبيرة أو طويلة المدى كنتيجة مباشرة للبقع النفطية، فإنها لم تنف بعض التغيرات التي طرأت على الأعشاب وأكدت تأثير الملوثات على الثروة المرجانية.

الشعاب المرجانية

من المعروف أن الشعاب المرجانية توفر بيئة مناسبة لإيواء وتغذية أنواع كثيرة من الأحياء المائية، وعندما تكونت البقع الناجمة عن حرائق آبار «النيروز» في الخليج العربي في العام 1983م تأثرت الشعاب المرجانية وهاجرت أنواع من الكائنات البحرية من موقع البقع النفطية.

وحينما حدثت «أم البقع النفطية» في الخليج أواخر يناير 1991م كثر الحديث من قبل الخبراء ودعاة حماية البيئة عن المخاطر التي تتعرض لها الشعاب المرجانية في الخليج عند وصول النفط إليها، واقترح البعض نقل الشعاب من المناطق المهددة بالتلوث إلى بعض المواقع في البحر الأحمر حتى يسترد الخليج عافيته!.

وهذا التسرب النفطي كان مدعاة لدراسات كثيرة جادة حول أثر البقع النفطية على الشعاب المرجانية في الساحل الشمالي الغربي، وانتهت هذه الدراسات إلى ما نجمله في نقاط ثلاث:

1ـ الشعاب المرجانية الموجودة داخل المناطق البحرية قبالة السواحل السعودية لم تتعرض لأية أضرار فعلية، لكن الشعاب الموجودة في منطقة «أبوعلي» بالسعودية تضررت جراء هذا التلوث النفطي.

2ـ حدثت بعض التغيرات في أعداد وأجناس الأحياء البحرية التي تستوطن الشعاب المرجانية في معظم الجزر الكويتية مثل «أم المرادم» وغيرها.

3ـ لم يتمكنوا من تحديد سبب نفوق بعض الحيوانات المرجانية، ولكن من بين الافتراضات العديدة برز بقوة دور البقع النفطية.

وإجمالاً فإن التلوث الذي حدث إبان حرب الخليج الثانية، أثر بشكل ملحوظ في هلاك الشعاب المرجانية وحيواناتها، وفي مدى وفرة الأسماك بالخليج وفي نفوق الطيور البحرية.

الطيور البحرية

تتأثر طيور البحر تأثراً مباشراً وسريعاً بالبقع النفطية، وحينما تحدث أي كارثة نفطية في البحر تحظى هذه الطيور بمزيد من الاهتمام الإعلامي، ولعل من شاهد صورة طائر ملوث في عرض البحر والأمواج السوداء تتقاذفه احتفظ في ذاكرته بمنظر مؤلم جداً. وإذا قلّبنا صفحات التاريخ الحديث تستوقفنا حوادث عديدة نقفت فيها طيور البحر، التي هي جزء من نظام بيئي متزن، بفعل التلوث بالبقع النفطية ونذكر منها حادثين:

ـ في العام 1965م وقعت كارثة ناقلة النفط «جير مارسك» التي تسرب منها نحو ثمانية آلاف طن من النفط في البحر، ما أدى إلى هلاك أكثر من نصف مليون طائر.

ـ في يناير 1981م غرقت إحدى ناقلات النفط بالقرب من «سكاجيراك»، ويومها تم إحصاء ثلاثين ألف طائر بحري ملوث بالزيت على الشواطىء.

وثمة حوادث أخرى كثيرة، تجعل من المستحيل إجراء إحصاءات دقيقة لأعداد الطيور النافقة جراء التلوث البحري بالبقع النفطية، كما لا يمكن حصر كل الأضرار التي تسببها البقع النفطية للبيئة البحرية، وبشكل خاص على الخليج والجزيرة العربية.

إن الزيت النفطي من أخطر الملوثات الضارة بالبيئة البحرية والقاتلة للكائنات الحية، كما أن الخليج العربي من أشد الممرات المائية تلوثاً وتأثراً بهذه البقع النفطية.

وعلى رغم الجهود الكبيرة التي تبذل من قبل السلطات المعنية بهذا الموضوع للتخلص من هذه البقع باستخدام بعض أنواع البكتريا أو المنظفات الصناعية أو استخدام الحواجز الطافية أو إغراق الزيت بالماء بإضافة مساحيق خاصة أو غير ذلك من الوسائل والإجراءات الوقائية والعلاجية لحماية البيئة البحرية من التلوث النفطي، إلا أن مخاطر هذه البقع تظل ماثلة في الأذهان.


العدد : 263
2005-09-01

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم