فــــي واحـــة الهفـــوف ... حكايـات مــن جبـل قــارا   البحث عن إدمان آخر!   كيف تفهم المرأة حقوقها؟   د. محمود مكي: أندلس الحضارة والإنجازات   تعليم تقليدي أم تعليم تعاوني؟   إمارة آل حُمَيْد الخالدية... عصر الغزوات (3)   الكويت احتضنت مؤتمراً دولياً عنوانه« نحن والآخر»   شرقستان غربستان... ماذا عن عربستان؟!   عن الحب... والمقاومة   لكلٍ هاجسه... وهاجسنا التجاوز   قصائـــد درب أخضــر   إدانـــــــــــــــة   الزمـــن الجميـــل   لا تقف في سوق المكتبات لتنتظر النتائج   طفلـــة جميلـــة   الشيخ أحمد ياسين ... الشهيد الكبير   مكتبة الكويت   غريد الشيخ تسافر مع الشاعرة إلى ثلاث عواصم   الطيور في قفص الاتهام   الاختراعــــات: نافــــذة على الحضارة الصناعية في الغرب   بــين الفيــــروس والجرثــــوم   كيف نعالج داء السكري: بالحمية أم بالدواء؟   بحثــاً عــن فيلـــم عربـــي   المخرج الدانمركي ترير: لا أكــره أميركــا   زاهي وهبي: أنا السبب في خسارة الأصدقاء   الخط الصيني.... تاريخ وفن   يستلهم الحضارة الشرقية القديمة ورموزها الأسطورية   ثلاثة أفــلام تستقـصـي الواقــع العربـي   الفضائيات الأجنبية الموجهة: حرية الرؤية... في الظلام!   اسمــي راكيــــل كـــــوري...!   يوميـات المكـان الغربــي   شطوط مضيئة   نظرة على المستقبل   هوامش يمانية   لزوم ما يلزم   ايقاعات   ديوانية الأفلام   بدأ حينما لم يكن هناك فن... ولا تشكيل   لا تقف في سوق المكتبات لتنتظر النتائج


عماد النويري

الفضائيات الأجنبية الموجهة: حرية الرؤية... في الظلام!

الفضائيات الأجنبية الموجهة: حرية الرؤية... في الظلام!

قنوات ناطقة بالعربية، ولكنها ليست عربية! وقنوات روحها أجنبية ولكن في قالبها وجسدها عربية! وقنوات أخرى أجنبية قلبا وقالبا، ولكن في ساعات محددة تتحول إلى العربية!
هكذا امتلأت أجواؤنا العربية بقنوات جديدة من جهات أجنبية أو غربية، لكي تصل إلينا برسالتها (بالمعنى الإعلامي وليس الأخلاقي)، وهكذا بات المشاهد العربي يتابع الأفكار والترفيه والمعلومات الواردة إليه من محطات أجنبية ولكنها ناطقة بالعربية كل الوقت أو بعض الوقت... ورغم التحفظ المتعارف عليه ضد تلك القنوات الأجنبية الموجهة، باعتبارها جزءا من (نظرية المؤامرة) الشهيرة في الذهن العربي، إلا أننا نقف أمام تلك الظاهرة، لا على أرضية (نظرية المؤامرة)، ولا أرضية الانفتاح والترحيب الإعلامي، بلا شروط باسم العولمة وثورة الاتصالات، ولكن على أرضية التحليل لهذه الظاهرة التي تتنامى هذه الأيام، فأصبحت واقعا تلفزيونيا نعيشه ونقبله أو نتقبله أو نرفضه.
فماذا عن تلك المحطات التلفزيونية غربية المنشأ عربية اللغة؟ ما توجهاتها؟ وهل كلها شر (حسب نظرية المؤامرة) أم أن فيها بعض الخير؟ وهل تحمل الموضوعية إلينا أم (الأجندة المخفية) ضدنا؟ وهل تحمل إلينا (حرية الرؤية) ولكن في الظلام؟!
في البدء كان الصوت
تبدأ فكرة (توجيه) إعلام إخباري أو عام من الغرب إلى الشرق، بتلك الإذاعات الأجنبية الشهيرة التي اقتاتت على أخبارها أجيال كاملة من المستمعين العرب، عندما كان هؤلاء يبحثون عن الخبر الصادق الواضح الطازج في أوانه، بدلا من التعتيم الإعلامي الذي كان مفروضا من أجهزة الإعلام العربية الرسمية. ومن أشهر تلك الإذاعات (راديومونت كارلو) و(صوت أميركا) و»هيئة الإذاعة البريطانية« التي قدمت أشهر تلك الإذاعات: (إذاعة BBC) الناطقة بالعربية التي تأسست قبل أكثر من نصف قرن، وما زالت تتمتع بصدقية عالية في نظر المستمع العربي (حسب آخر الإحصائيات، فإن 95? من المستمعين العرب يثقون في BBC)، مما دفع تلك الإذاعة العريقة إلى التفكير في إنشاء قناة تلفزيونية ناطقة بالعربية تحت اسم (بي بي سي عربية)، سوف تطلق في العام2007  ، بأسلوب الإذاعة المسموعة نفسه، لجهة الحفاظ على الموضوعية قدر الإمكان حسب قول مديرها بالقسم العربي حسام السكري، الذي أكد في تصريحاته الصحفية أن الـBBC سوف تبقى على ثقة من نفسها ومن المستمع، وعندما سيكون المتلقي العربي في السيارة فسوف يستمع إلى راديو BBC، وإن كان في المنزل يشاهد قناة BBC العربية، وإن كان يستخدم هاتفه النقال فسوف يستعين بخدمة (بي بي سي نيوز)، وإن كان في العمل فهو يستطيع زيارة موقع BBC الالكتروني بالعربية أيضا.
وعلى غرار (BBC) أنشئت أكثر من محطة راديو أجنبية بصوت عربي، مثل محطة (صوت أميركا)، وراديو موسكو، (وراديو اسرائيل) الموجه بالعربية لأغراض سياسية نعلمها جميعاً.
ولعل مشروع (BBC عربية) كقناة تلفزيونية جديدة، ينقلنا مباشرة إلى القنوات  الأجنبية المصدر العربية اللغة أو (المدبلجة) في بعض الأحيان. ويمكن تقسيمها إلى نوعين: القنوات العربية لغة وعملا وفريقا بتمويل وتوجيه أجنبي، والقنوات العربية (المدبلجة) لبعض برامج قناة أجنبية.
قناة حرة... أم قناة الحرة؟!
بناء على دراسات إعلامية واجتماعية وسياسية معمقة، أدرك الأميركيون أن الإعلام - خاصة المرئي - هو القوة المؤثرة حاليا على رجل الشارع العربي، وأن (هبّة) الفضائيات العربية منذ التسعينيات من القرن الماضي والمتزايدة الآن، قد وضعت المشاهد العربي في عالم خاص له حدوده المعرفية والثقافية التي لا بديل لها في العالم الكبير، فهو عالم: الجسد والترفيه من ناحية، والأخبار (الملونة) بدماء الضحايا بدول عربية كثيرة والمؤدلجة أو ذات الأيديولوجية الخاصة من أصحاب الفضائيات الإخبارية العربية الخاصة والجديدة.
واستنادا إلى تلك المعطيات، التي جاءت مثل بوابات النصر المزينة، اتخذ قرار إنشاء فضائية إخبارية بروح أميركية وبلغة عربية، فجاءت (قناة الحرة) البديلة للفضائية العراقية الرسمية التي انتهت مع العهد البائد، وكقناة منافسة لأخرى تعتبرها واشنطن (مزعجة) لها وهي (الجزيرة). وبالفعل انطلقت قناة الحرة بميزانية وافق عليها الكونجرس الأميركي، كنموذج على الإعلام المرئي الأجنبي الموجه إلى العالم العربي - بأجندة تكاد تكون بنودها معروفة: تغيير الاتجاه عند العرب نحو أميركا، أو تغيير نظرتهم السلبية إليها، وكذلك فضح البؤس العربي المتمثل في أمر واحد: غياب الحرية والديمقراطية.
وهنا، جاء تطبيق تلك الأجندة ببنودها الأمريكية بكوادر عربية، ولغة عربية ومناقشة لهموم عربية ومنذ ذلك الحين انقسمت الآراء حول (قناة الحرية)، والاتجاه الغالب في تلك الآراء هو أنها (مرفوضة) ثم مرفوضة ثم مرفوضة، لمجرد أنها من جهة أجنبية - خاصة أمريكا... ولكن هناك استطلاعات للرأي أجريت داخل العالم العربي حول مدى شعبية هذه المحطة وكثافتها... وجاءت تلك الاستطلاعات بنتائج متضاربة، فمنها من يؤيد شعبية القناة وإقبال المشاهد العربي عليها (وهذا ما يؤكده القائمون على القناة)، ومنها ما يؤيد تدني مستوى شعبيتها... مما طرح اتجاها جديدا الآن لدى الهيئة الإعلامية الأمريكية المسؤولة عن إطلاق وتحويل قناة الحرة (وهي التي أطلقت أيضا محطة (راديو سوا) واسعة الانتشار الآن).
هذا الاتجاه هو إلغاء تلك القناة ووقف بثها بسبب العداء الشديد - هكذا يبدو - تجاه تلك القناة... ولكن الغريب في الأمر، أن قناة الحرة استطاعت فتح ملفات لمشاكل في الوطن العربي، كانت تلك الملفات مغلقة لزمن طويل حتى تحولت إلى (دمامل) في الجسد العربي... ربما تكون النية المخفية لدى تلك القناة هي فضح وتعرية البؤس العربي في اللحظة الراهنة، وذلك لإثبات الاحتياج الشديد الذي يعانيه المشاهد العربي إلى الديمقراطية والتي ستقدمها له أميركا!
ولعل الخطيئة الكبرى لمحطة (الحرة) أنها ولدت من الرحم الأميركي، حتى وإن كانت تتمتع بحرفية عالية من خلال فريق عملها، أو بتقنيات عالية غير موجودة في كثير من المحطات العربية.
الاقتصاد العالمي بأرقام عربية
هناك محطة تلفزيونية تعتبر فريدة ضمن المحطات الأجنبية الموجهة إلى المشاهد العربي، وذلك لأنها لا توجه أخبارا وأجندة سياسية، بل (اقتصادا) تلك المحطة هي النسخة العربية الكاملة (تقريبا) للمحطة الأميركية الاقتصادية (CNBC)، بالتالي صارت النسخة العربية لها تحمل اسم (CNBC عربية) ومقرها في مدينة الإعلام بدبي. ورغم المادة الاقتصادية التي تقدمها، ورغم تخصصها في موضوع حيوي وأساسي بالنسبة للدول العربية الآن وهو الاقتصاد، إلا أنها لم تحظ بنسبة مشاهدة عالية أو إقبال كبير عليها! مع أن الآمال كانت معقودة عليها بأن تقدم للمشاهد العربي نافذة واسعة من الاقتصاد حول العالم... لكن التقارير والدراسات والإحصاءات أشارت إلى عدم انتشار تلك المحطة بالقدر المطلوب ولو على الأقل في بداية انطلاقها.
الثقافة الأجنبية... بلغة عربية
هناك قنوات أخرى أجنبية، معروفة من غرض تأسيسها، فهي أجنبية وموجهة أساسا إلى المشاهد الأجنبي... لكن إدارتها أو مؤسساتها التي تشرف عليها رأت في الشرق الأوسط المنطقة المركزية الآن في العالم من حيث الأحداث التاريخية الملتهبة المغيرة للجغرافيا... ففكرت في (ترجمة) أو (دبلجة) بعض برامجها باللغة العربية ولساعات محددة حتى يتسنى للمشاهد العربي متابعتها. ومن تلك المحطات الأجنبية ذات الاهتمام العربي - ولا نقول موجهة إلى المشاهد العربي بالمعنى الكامل - محطات مثل: التلفزيون الألماني (DTV)، التلفزيون الإيطالي أو محطة (RaiMed) (والإسم اختصار لمحطة تلفزيون إيطالية للشرق الأوسط)، فماذا تقدم تلك المحطتان؟!
في التلفزيون الألماني (DTV) هناك ساعة يوميا - على الأقل - تترجم فيها المواد المعروضة إلى اللغة العربية. تلك الساعة قد تحتوي أفلاما وثائقية (معظمها ليس سياسيا)، وقد تحتوي برامج ثقافية أو فنية على وجه التحديد... وبالتالي، يمكن التعرف على الهدف من تلك الفترة الأجنبية - العربية على التلفزيون الألماني، وهو تقديم الثقافة الألمانية للمشاهد العربي.
وهنا يقع إعلامها تحت بند التبادل الثقافي الإعلامي والذي لم يزل بلا غبار عليه لدى المشاهد العربي... فالثقافة الأجنبية بمعناها الأدبي والفني ما زالت تحتفظ ببريقها لدى قطاعات واسعة من المثقفين العرب، إلا أن السياسة، مادة سيئة السمعة يقتربون منها بحذر شديد!.
ولكن محطة التلفزيون الإيطالي (Rai Med) تقدم أيضا ساعة تقريبا من المواد المترجمة بالعربية وتتضمن الأخبار السياسية! ولكنها الأخبار نفسها التي يعرضها التلفزيون الإيطالي على المشاهد الإيطالي، وكأن الأمر هنا يأتي على سبيل مشاركة المشاهد العربي للمادة الإخبارية التي يقدمها التلفزيون الإيطالي لمواطنيه.
دون كيشوت... العربي
تخبرنا القصة العالمية لدون كيشوت البطل الأسباني أنه كان يصارع (طواحين الهواء) رمزا وتعبيرا عن صراع مثالياته مع الواقع الخرب... وهكذا يصارع المشاهد العربي الآن مع (قنوات الهواء) لعله يجد الحيادية الكاملة وفق مثالياته في الإعلام المفتوح الآن... فكم عانى هذا المشاهد العادي العربي من (القمع الإعلامي والقهر المعلوماتي) و(ضغوط الدعايات) السياسية الرسمية في بلدانه قبل ثورة الفضائيات المتفجرة الآن - مما جعله - وكردة فعل تجاه الزيف والتزييف والتغييب - يبحث عن الحيادية الكاملة. لكن السؤال الآن: هل هناك حيادية في الإعلام بشكل عام والإعلام الراهن بشكل خاص؟
لا وجود لما يسمى (بالحيادية) في أي إعلام، فهي من المثاليات التي لا واقع لها في الإعلام... فالإعلام - أي إعلام - هو موجه بشكل أو بآخر، وله أيديولوجيته، وله أجندته الخاصة، طالما أن طبيعة الإعلام في النهاية هي (رسالة) ترسل إلى المتلقي... لكن ما يبقى وما يحتاجه بالفعل المشاهد العربي وسط هذا الخضم الإعلامي الغربي خاصة، هو البحث عن (الموضوعية)... فالموضوعية هنا هي البديل المنطقي الواقعي للحيادية... وهي التي تعني أمورا كثيرة، منها احترام عقلية المشاهد، وإبراز كل الجوانب بلاتورية، ولو أدى الأمر إلى تعرية كل الأغلفة عن الموضوع المطروح، كما أنها تعني تناول (الموضوع) كما هو دون (رتوش) أوإضافة أو حذف.
 والسؤال الآن: في أي منهما نجد الموضوعية: في الإعلام العربي أم في الغربي؟!


العدد : 271
2006-06-15

جميع الحقوق محفوظة . 2010 . تصميم