2009-05-01
ثلاثة أشياء تحكم تلقي الكلام، أي مساره ومعناه ومنتهى أمره، الرسالة التي يحملها، والوسيط الذي ينقل الرسالة، والذهن الذي يتلقاها، ولا فضل لأي شيء من هذه الأشياء على آخر، كلها مجتمعة ذات أهمية متساوية، أي كلها تساعد في صياغة مآل الكلام، ما نقول وطريقة القول وذهنية الذي يتلقى القول. عملية معقدة كما يبدو ولكن البسيطة في الوقت نفسه والشفافة أيضاً، لأن ما نفهمه وما يساعدنا على الفهم يكف فوراً عن كونه معقداً، ولأن الأمر إيجاد وسيلة فهم، سرعان ما تتحول شبكة الكلام هذه إلى صفحة مائية، تشف عما تحتها، تكشف عن الرسالة التي نريدها أن تصل، عن الوسيط الناقل الملائم، وعن ذهنية المتلقي التي تحير سكان كوكب الكلام؛ الكتاب والمربون والنقاد والخبراء والدعاة، وكل أصناف المعنيين بالإعلام أو التوجيه أو التنوير أو التثوير أو حتى المعنيين بالترسيخ والتركيز وتدعيم المنقول والمقبول، تصل كلمة أو نصف كلمة، تاركة للإيحاء مساحة كافية لاختلاق المعاني. هنا نتحدث عن عملية خلاقة، قلقة، مخيفة أحياناً، وتصل كلمات أو سطور مكتملة وكاملة، هنا نتحدث عن عملية آلية، تلقينية، تخلو من القلق والمخيف أحياناً. ولكلا الخيارين من يفضله ومن يعتني بحراسته، ولكلا الخيارين وظيفته. رهان الأول هو الذي يكسب بالطبع، ورهان الثاني هو الذي يخسر دائماً، وإن كسب إلى حين، لأن مآل الرسالة وناقلها يتحدد في النهاية، بقدر ما يضيف أو ينتقص من حق ذهن المتلقي في أن يكون حراً، وذهن المتلقي ذهن إنساني وليس آلة صماء نضع ما نضع فيها من أقراص أو أشرطة أو نقود حتى ونحركها كما نشاء. كلما احترمنا حرية الإنسان في أن تتحقق، أي كلما أوحينا وقللنا من عواصف الكلام، كلما قلنا أكثر وأغنى وأثمن، والعكس صحيح. لنتخيل أحدنا يقول نصف كلمة ويترك لوسيط أن ينقلها، ولإنسان أن يفسرها، ألا نكون بذلك واضحين وبسيطين ومؤثرين؟ وأليس ذلك أفضل من تعقيد المكتمل والواضح والخط المرسوم؟.