2009-05-01
تعد الشاعرة سعدية مفرّح من أهم الأسماء الشعرية في الساحتين الكويتية والعربية أصدرت خمس مجموعات شعرية كما أصدرت مؤخراً كتاب «حداة الغيم والوحشة» وهو عبارة عن أنطولوجيا الشعر الكويتي، كما حقق كتابها «ليل مشغول بالفتنة» - وهو عبارة عن قصيدة واحدة طويلة - أعلى المبيعات في معرض الكويت للكتاب.. نشرت في العديد من الدوريات العربية، وتعمل حالياً رئيسة للقسم الثقافي بجريدة القبس الكويتية. التقيناها، ودار معها الحوار التالي:
ـ ربما، ولكنه أولا ملاذ للروح الباحث عن يقين وعن خلاص نهائي، وهوية للكائن البشري في أقصى احتمالاته البشرية كدهشة مستمرة نعيشها آخذين ومأخوذين ونحن نؤثث فراغ الروح. ورغم أنني لست مهتمة بالبحث عن هوية للشعر، ولا باجتراح نظرية له، إلا أن هذا لا يمنع من النظر إليه باعتباره قناص الحلم الأخير مع أنني لا أؤمن بأن للأحلام آخرا حتى لو ابتعد طويلا وكثيرا وحتى لو كان للحالمين آخر. ولعلنا نحتاج لوجود الشعر حاجتنا نفسها لوجودنا في خضم الحياة، وحاجة الحياة لنا كي تكون حياة.
وقصيدتي كانت دائما ذلك الضوء الذي يلوح لي في آخر النفق، أو قطعة السماء المعلقة على جدار غرفتي كنافذة سرمدية، وكأنها تعيد صياغتي البشرية عبر اقتراحات أكثر إنسانية، وما زالت تبشرني بأمل أنيق ورهيف لا يموت حتى لو اختفى قليلا وحلم لايموت حتى لو تواضع كثيرا..
ـ لا هذا ولا ذاك، بل القارئ أو المتلقي الذي يمكن أن يكون الشاهد الأكثر عدالة في حكمه على تفاصيل المشهد بشكل عام، ولو أن الناقد والشاعر تعاملا مع المشهد بتلقائية المتلقي وعفويته وموضوعيته لاستطاعا رسم تفاصيل التفاصيل بذلك الاهتمام المودي بهما إلى الموضوعية كما يمكن أن يحلم بها باحث عن دقائق الأمور.
وربما لهذا حاولت في كتابي «حداة الغيم والوحشة» أن أتلمس المشهد الشعري في الكويت بصفتي متلقية أو قارئة متابعة لتفاصيل ذلك المشهد دون أن أستسلم لإغراء الانحياز نحو محض اللحظة المبدعة في تجربة كل من تناولت تجاربهم الشعرية. ولا أدعي أنني نجحت كثيرا في تلك المحاولة التي أراها مبتسرة جدا ولا يمكن أن ينظر إليها على أنها رسمت خريطة المشهد الشعري في الكويت راهناً على الأقل، خاصة وأن هذا الراهن مازال يتكون بشكل لحظوي دون متابعة نقدية تليق به أو حتى تحاول رصده.، ولذلك.. ربما.. أرى أن حداة الغيم والوحشة في الكويت ما زالوا بحاجة للكثير من اقتراحات الغيم في مسافات أكثر اتساعا من الوحشة ليكون لهم من فولاذ الكلم ما يمكن أن يمضى عميقا في الجرح الأول حيث الشعر وحيث النثر وما بينهما من كائنات تمشي على الأرض رفضاً لكل ما هو سادر في المـــألوف.
ـ لا أدري بالضبط، ولا أبحث عن إجابات، أحاول فقط أن تكون نفسي في خضم القصيدة، وأحاول أن أستعيد بها جزءا من ذاكرتي المرهقة والتي أشعر أحيانا أنها تحتضر تحت وطأة ما يحتشد بين أروقتها من ذهول مضطرم.
أما أن حاولت قصيدتي تحريك السواكن، فهذا شأنها الذي لا أتدخل فيه ولا أحاول اكتشافه أو حتى تكريسه، ربما لأنني لاأجد تلك المهمات المستحيلة، ولكنني على الأقل أحاول دائما استلال اللذائذ القصية من مكامنها الغائرة عبر القصيدة وتجلياتها في الحياة، وعلى أية حال لاأظن أنني نجحت في ذلك حتى الآن، فالعصافير الصغيرة التي تلتقط الحب عند أقدام إشارات المرور، وتطير عندما تتحرك السيارة، على سبيل المثال، ما زالت تثير خيالي، بالتفاتاتها الدورانية المشبعة بجماليات ما زلت غير قادرة على توصيفها ولا تخلقيها شعريا.
ـ شكرا.. أفرح جدا بمن يقول لي هذا، فأنا لا أتضايق من شيء في القصيدة قدر ضيقي من الافتعال والصنعة، ولا أنكر أن قصائدي الأولى، كانت مثقلة بتصنع من يفرح باكتشاف تلاوين اللغة وإيقاعات الموسيقى ولا أعتقد أن هناك إغراء أكثر من هذا يمكن أن يواجهه شاعر في بداياته، ولكنني سرعان ماتوقفت عن كل هذا الزيف الملون في آخر مجموعتين شعريتين صدرتا لي، ومازلت حتى الآن، وربما أبدا، أحاول أن أعود بقصيدتي إلى عفويتها البدائية وإلى بداهتها الأولى، وأحاول أن تكون محض قصيدة، تستبدل شعريتها الخالصة بكل ما يمكن أن تتكئ عليها كي تتحقق بشكل نهائي، لأنني مؤمنة أن القصيدة لا تركض بحيويتها القصوى إلا في براري المستحيل، وسماوات البداهة.