2009-05-01
في حديث عابر تساءل صديق عن سر تمسك عدد كبير من الشعراء بأنساق تعبير ومفردات لغوية لا مكان لها إلا في الديوان الشعري الموروث أو في الديوان الذي تأسس حديثاً. كان هذا الصديق قادماً إلى الموضوع من أرض أخرى لا تعلق لها بالشعر وأنساقه، ولهذا بدت ملحوظته تنبيهاً على شيء غير مفكر فيه، لا في الوسط الشعري ولا في الوسط النقدي.
هناك بالطبع نقد متواصل منذ أوائل القرن الماضي لمعجم الشعراء، ونقد لاستقرارهم الآمن في أنساق تعبير، تصوراً ولغةً وإحساسا ، بحيث أصبحت الكلمات بالفعل كما يقول البنيويون وحدات لغة تحدد معانيها علاقاتها بين بعضها البعض، فلم تعد تملك مؤلفاً ولا متلقيا محدداً. ولكننا لانجد بين أيدينا نظرية شاملة تفسر سيطرة الخطاب الشعري «المهاد الذي تصدر عنه أنساق التعبير» على أخيلة الشعراء، أو قطيعتهم الواضحة مع الواقع المعيش بكافة مستوياته الظاهرة والباطنة. كما لا نجد امتداداً لنظرية من هذا النوع إلى أنساق الخطابات الأخرى التي تتميز بهذه الصفة مثل الخطاب التربوي والسياسي، وكلها خطابات تصدر عن مهاد مفارق لكل ما هو معيوش.
الآلية التي تحكم الحياة في الألفاظ «أي الصدور عن واقع لغوي مستقل» هي ذاتها بالطبع، سواء كان الخطاب صادراً عن شاعر أو خطيب أو تربوي أو سياسي، أو كان صادراً عن إنسان تلقى تعليمه على يد المدرس أو الصحفي أو مذيع الشاشة التلفازية.
هناك ماضٍ في كل هذا ماثل في الألفاظ، أو لنقل هناك ديوان شعري «مهاد» تكرس كنسق لغوي وحسي وتصوري، وأصبح وسيطاً بين الإنسان وعالمه الملموس، أو أصبح بديلا بالأحرى. وهناك شخص يتمثل هذا الماضي ويعيد تكراره في حالات الفرح والسرور والحزن والكآبة، وفي مواجهة الأسئلة، ماكان منها وجودياً أو أدنى مستوى. فلماذا؟
(2)
مع مطلع القرن العشرين لاحظ المستعرب «كراتشكوفسكي» أن مندوب دولة عربية جاء إلى مؤتمر مستشرقين في «فيينا»، فألقى قصيدة بدأها بذكر الأطلال ثم الرحيل على الناقة قبل أن يحط رحاله ويقدم تحياته إلى المؤتمر. لم يكن الأمر طرفة أو نادرة بل واقعة. وتأكدتُ من هذا حين قرأت قصيدة للجواهري الذي يخضع للمهاد الشعري خضوعا مدهشاً في مديح الملك المغربي الحسن الثاني، إذ بدأها بذكرى الأطلال ثم متاعب الرحيل على الراحلة وصولا إلى القاعة الملكية. كانت هذه القصيدة في السبعينات تحاكي بالضبط قصيدة شاعر جاهلي يصل إلى ممدوحه بعد طقوس شعائرية من هذا النوع. وازداد اقتناعي بواقعية هذه الأحداث حين سمعت في أحد المؤتمرات الأدبية أحدهم يمتدح قصيدة شاعر، ويعلل مديحه بالقول «إنك لاتستطيع فهم مفرداته إلا بالعودة إلى المعجم »! وكأن الإحالة إلى المعجم دليل مهارة إبداعية لا دليل اتباع وتقليد.
الشاعر الحديث لا يقلد أحدا أمر نفسه وشعره؛ هذا مايقال لنا وسمعناه مرارا وتكرارا، ولكننا نجده يتبنى معجما ً آخر، وواقعا لغويا آخر. صحيح أن هذا المعجم والواقع قد لايكون مما اعتاده المستمع أو القارئ، ولكنه يخضع لآلية طقس صاحب الأطلال والناقة أيضاً، أي أنه يتبنى مهادا مفارقا أيضاً، ويلجأ إلى أطلال وراحلة من نوع مختلف، ولكنه يظل يصدر عن واقع لغوي مستقل عن أية حياة معيوشة.
المفارقة هي أن الجمهور المعاصر بعامة يظل في توجهه أقرب إلى صاحب الناقة، وأقل احتفاءً بشاعره الحديث، لأن المهاد الذي يصدر عنه شاعره التقليدي هو ذاته مهاده المحفوظ الذي نشأ عليه وتلقاه في المدارس والجامعات. إنه جمهور يعزز خطاب التقليد، ولا يستطيع رؤية عالمه إلا عبر نوافذه. إنه المتلقي الغائب أيضاً والسعيد بغيابه. 
يحدث هذا في الشعر مثلما يحدث في السياسة والوعظ وكل جوانب الحياة. ومرة أخرى؛ لماذا؟
(3)
قد نجد تفسيراً حديثاً لهذا بالقول الرائج للسويسري «دو سوسير» صاحب كتاب «خطاب في الألسنية العامة» عن استقلالية اللغة كنظام. وهذا قول شاع وتغلغل في الثقافة الغربية، ووصلت أصداؤه إلى الثقافة العربية. عماد هذا التفسير، أو ما يقع في أساسه، هو أن معاني العلامة اللغوية، أي «التسميات» لاتصور الأشياء في العالم، وما يحدد المعنى هو موقع العلامة في نظام «المسميات» المستقل، ولا توجد أي علاقة مباشرة بين التسميات والمسميات. من هنا جاءت أقاويل عدد من كتاب ما بعد- البنيوية التي استورد العرب طرفاً منها، وجاء تشديدها على أن علاماتنا الألسنية تنشأ في الوضعية الاجتماعية التي تتخللها علاقات سلطوية، أي هي إنشاء أيضاً ولكن تحت سطوة سلطة. ويضيفون إلى هذا، إننا لانستطيع الخروج من عالم «المسميات» بهدف العثور على علاقاتها المباشرة بالواقع الخالص. وهكذا فإن تجاربنا مقيّدة تقييداً لا خلاص منه بالإنشاء اللفظي للأحداث، وهذه الأحداث من جانبها لا تأخذ معناها إلا عبر هذا الإنشاء.
من المؤكد أن لا علاقة تربط بين «دوسوسير» وأتباعه وبين الممارسة العربية التي وصفناها «الحياة في الواقع اللفظي» والعجز عن إيجاد صلة للألفاظ بالمعاش إلا توهماً، أو عبر إضفاء هوية على معيوش تجعله مماثلا للواقع اللفظي. ولكن نتائج هذه الأقوال أجد لها نموذجاً في ممارسة اللغة العربية من النادر أن أجده في أي ثقافة أخرى. فهنا إيمان شبه صوفي بأن الواقع إنشاء لفظي أو أن الإنشاء اللفظي هو الواقع، سواء جاء الخطاب الشعري من شاعر تقليدي أو من شاعر حداثي.
الفرق بين التنظير الغربي والممارسة العربية هو أن الأول يتحدث عن إنشاء يدعونا إلى رفضه بوصفه كذلك أو يقول أن لاخلاص منه، بينما يتحدث الثاني عن الإنشاء بوصفه «واقعا»، ووحيدا ممكنا، تقدس اسمه مرة واحدة وإلى الأبد، أنشأه «الأوائل»، أي أناس الماضي في الوعي الثقافي الذين يسعى «المتأخرون»، أي أناس الحاضر، إلى اللحاق بهم. ولكن الجامع بين الموقفين، الغربي والعربي، هو قطع اللغة عن مسار الممارسة الاجتماعية، سواء في دراستها كظاهرة أو استخدامها كأداة تعبير.
(4)
النظر إلى العالم عبر منظار ثنائية الفكر/ الوجود الديكارتية الشهيرة هو الذي أسس لثنائية «دو سوسير» والثنائية العربية في الممارسة الأقدم عهداً. فالكلمة هي «مفهوم» و«صورة صوتية» في مثال أو نموذج «دو سوسير»، أو ما يسمى «دورة الكلام» بين شخصين يتبادلان الحديث. في هذه الدورة ترتبط الواقعة الذهنية «المفهوم» في ذهن المتكلم بالصوت اللساني حامل الصورة، وينعكس هذا الفعل في ذهن المستمع الآخر الذي يحاوره، مع ملاحظة أن صورة الكلمة لاتتصل بالصوت حكماً، إنها ظاهرة نفسية فقط، شأنها في ذلك شأن المفهوم الذي يرتبط بها.
هذا تأسيس لاستقلال ظاهرة اللغة ومحو مرجعية معاني الكلمات خارج النظام اللغوي أو نظام اللسان بالأحرى. وفق هذا التصور لايمكن تحديد معنى أي مفهوم إلا بإيجاد صلة له بمفاهيم أخرى. وما يخلق العلاقة بين المعنى «المفهوم» والصورة الصوتية هو المواضعات الاجتماعية لا أكثر ولا أقل. هنا لا تعود العلامات اللغوية أسماءً أو أشياءً بل مفاهيم وصوراً صوتية. في هذا النظام تصبح المفاهيم «تسميات» والصور الصوتية «مسميات». أي أن اللغة تصبح نظاما ً من التعابير يعتمد بعضها على بعض بالتبادل، وتصبح قيمة كل تعبير نتاجاً مستقلا لحضوره المتزامن مع التعابير الأخرى.
في الممارسة العربية تظل ثمة مرجعية للمعاني، ولكن في مكان آخر لم يعد معاشا. المرجعية هي المهاد أو خطاب الماضي على كل صعيد، ومن هنا تعيد الخطابات إحياء الأنماط الاجتماعية القديمة ومشكلاتها وحلولها على مقاس أوسع هو مقاس أرضية الحاضر الراهن. هناك وجدت المشكلات حلولها، وهناك وجدت العواطف والأهواء قوالبها التعبيرية، وهناك كانت الجنة التي لم تعرف تمزقات الحاضر. إذن بالانتقال إلى تلك الجنة أو استعادة صورتها لغوياً يبدو كل شيء سهلا ومريحا. من هنا مكرور القول بأن آلام الحاضر سببها الانفصال عن الماضي، أو التنكر لقيمه، أو ترك طرائق الأسلاف كما يقال عادة. ومن هنا التشبث بذلك «الواقع» الذي تحول إلى واقع لغوي مستقل، ففيه كان العربي ينتصر على أعدائه، وفيه كان يجد حلولا لمشكلاته، وفيه كان الشاعر والخطيب والعالم والحاكم شخصيات فاعلة متمكنة، وفيه كان العالم هامشاً على أطراف وجود مركزي ينعم فيه العربي بفكرة أنه السيد المتسيد على الكائنات، فأي «واقع» أروع من هذا؟ وأي مجال يمكن أن يمارس فيه العربي الطمأنينة أرحب من هذا؟.
أمرُ هذه المرجعية لا يختلف عن أمرالمرجعية المفقودة في نظام «دوسوسير» اللساني، فكلاهما لا يؤمن بمرجعية واقع معاش وقائم، أو لايريد لهذا المعاش أن تكون له صلة بالنظام اللغوي. فالمعاش العربي مؤلم، عالم مهمش لم يعد مركز العالم، يحتاج الدخول في التجربة، بينما «العالم» الآخر المفقود والماثل في المهاد اللغوي هو عالم ينتفي فيه الألم وتنتفي الهامشية ويصير فيه الإنسان مركزا وسيداً بلا تجربة ولا معاناة الولادة مجدداً.
أما انفصال «دوسوسير» فمصدره الانفصال الأقدم الذي عاشه الفكر الغربي منذ أن تنكر لأصوله المشرقية، وشق طريق الثنائية بين المادة والروح، والوجود والفكر، والأرض والسماء.
(5)
فكرة ُ الثنائية، كما يعيشها العربي في جنة اللغة بعيداً عن الأرض الملعونة، وتحكم نظرته وسلوكه، هي ذاتها الثنائية التي طورها مفكرو مابعد-البنيوية. فيتحدث «لاكان» من علم النفس عن تعقيد العلاقة بين المسميات والتسميات، وإنها ذات طبيعة توسطية، وأن أكثر الوسائط أهمية هو «الكبت» الذي يقطع المسميات عن أي علاقة مباشرة لها بالتسميات أو أي ارتباط بينهما. وتظل التسمية عند «ديريدا» الألسني متعالية لايمكن الوصول إليها. صحيح أنها ترتبط عند «دوسوسير» بصورتها الصوتية، أي بالمسميات في الدماغ، إلا أنها عند «ديريدا» تنتقل إلى النص اللغوي، وهناك يحدث تبادل لا يتناهى تفسر فيه العلامة اللغوية علامة أخرى، ولا وجود للمسميات. ما يوجد هو العلامات فقط. وهنا تتخلق مفارقة نلمسها في ما أطلقنا عليه ميل الخطاب الشعري إلى تكرار القول الشعري في انفصال تام عن أي معاش حياتي، مع أن الشاعر والخطيب والسياسي كائنات تدب على الأرض وتحيا عليها. صحيح أن الجماعة تمارس الكلام، ولكن اللغة هي التي تفسر هذه الممارسة لا الحياة الاجتماعية. كأن الحياة في زمن ما وفي مكان محدد توقفت عن الوجود، وانسربت في الألفاظ نسخة عنها في زمن مجهول مختلف عليه، وعلى كل حديث أو خطاب أن يستعير بالضرورة صورة تلك الحياة الخالدة في الألفاظ.
(6)
ها نحن إذن ندخل في فضاء «الحياة في النص»، وكأن ما بعد تلك الحياة، أو كأن ما بعد تلك الجنة، قد توقف عن الوجود، أو أصبح ظلا لأصل قائم يلقيه دائماً وأبداً، يرجع إليه الشاعر والخطيب وعالم الأخلاق، ويرجع إليه المتلقي أيضاً، لتتحرك دورة «دو سوسير» بين دماغين يتبادلان الحديث.
«ديريدا» يثق تماماً بأن الحياة في فضاء النص هي الحياة الوحيدة الممكنة، وما نمارسه على وجه الحقيقة والمجاز هو «حياتنا».
لا أحد يتنكر لثنائية اللغة، ولكن هناك ثنائيات بعدد الذين فكروا بهذا المبدأ. هناك ثنائية «ديكارت»، فكر/وجود، وهناك ثنائية «نيوتن»، إما/ أو، وهناك ثنائية إفلاطون، أرض/سماء. هي ثنائية ولكن الاختلاف المعاصر مع كل هذه الثنائيات القديمة هو القول الحديث بأنها ثنائية علائقية، وليست من النوع الذي يفارق فيه كل طرف الآخر ويختلف عنه في النوع أو الدرجة.
الكلمة عند «فولوشينوف» جزء، أو عنصر مادي من الواقع ولكنها تمثل شيئاً يقع خارجها وتشير إليه وترسمه في الوقت نفسه. إنها هذا وذاك وأشياء أخرى في وقت واحد معاً. إنها وحدة شكل ومعنى، وأول جوانب المعنى هو مرجعيته. وحين نسأل: أين تتولد العلامات، نهتدي إلى الفرق بين الثنائية التقليدية والثنائية الجدلية. إنها لاتتولد داخل نص ومن أجله بالدرجة الأولى، أي أنها لا تمتلك وجوداً مستقلا خارج الممارسة الاجتماعية المشتركة، وهي لاتظهر إلا كجزء من النشاط الإنساني الذي يستخدمها لتمثل شيئاً. هذا النشاط متواصل بالطبع لا يتوقف في الزمن، ولا يحتويه خطاب، سواء كان مقدساً أو غير مقدس، مثلما هي الحياة التي لاتنقطع عن الوجود أو تتجمد في أصل يلقي ظلا على كل ما يأتي بعده.
يعيش المؤلف ويعيش المتلقي وتتخلق العلامات، وتستخدم العلامات ويعاد استخدامها في حالتين متصلتين من النشاط الحيوي، حالة مشتركة وحالة فردية. والتواصل هو أحد الجوانب الأكثر أهمية لهذا النشاط المشترك، وفيه يستخدم الناس مخزوناً من العلامات المتخلقة اجتماعياً . أما في النشاط الفردي، وهو الجانب الآخر، فيستخدم الفرد أحلامه وأخيولاته ورغباته التي لاتكتسب معنى إلا بالنسبة إلى هذا الفرد وحده، وقد لايعي الفردُ معانيها. وإذا واجهته مهمة التفسير لجأ إلى إعادة تكوين المعنى الخاص لعلاماته بإيجاد صلة لها بعلامات مشتركة معينة.
(7)
صناعة الخطاب الشعري العربي، التقليدي منه والحداثي، وكل الخطابات التي تماثله في تجلياته، لاتقوم على المخزون المشترك الآخذ في الصيرورة بل على مخزون محدد صار في المعجم الشعري واللغوي خلقته ممارسة اجتماعية معينة في الماضي، وعلى إيمان شبه صوفي، لدى الحداثيين بخاصة، بأن الواقع اللغوي هو الأصل، وعلى الحياة، وكل حياة ممكنة أن تحاكيه وتمثله وإلا فشلت أن تكون. هي ممارسة طقسية إذن كما هي كل الممارسات لشعائر فقدت وظيفتها منذ انحلال وانقراض التشكيلات الاجتماعية التي أبدعتها. وفي ممارسة الطقس لايسأل الممارس عن صلته بحياته أو حياة من حوله، بل ينصرف همه إلى إتقانه بحرفية إرضاءً للأسلاف أو للجماعة الغارقة في الطقس. وفي هذا يتساوى التقليدي والحداثي، لأن بنية التفكير الطقسي واحدة مهما اختلفت نوعية أحجار بنائها.
إنه الفضاء اللغوي مرة أخرى، ذلك الفضاء الذي يمتص كل حياة ممكنة، ويصبح التفكير خارجه محالا. يذكرني هذا فوراً بتعبير «ديريدا» الشهير: «لاشئ خارج النص». هذه المقولة لا تعني الاستنتاج البالغ التبسيط بأن تفسير النص المكتوب لا يأتي من خارجه فقط، بل تعني في العمق أن الحياة نفسها، حياتنا وحياة الكائنات الأخرى، لا سبيل إلى أن توجد خارج قولها، أو «تنصيصها». وبما أن التنصيص لم يعد يمتلك مؤلفاً، فإن ثمة نصوصاً أو خطابات تقولنا. أي أننا «لانقول» حين نقول، وإنما تقولنا خطابات الماضي أو الحاضر التي صنعتها علاقات سلطة. سأفهم هذا بوصفه نقداً يفكك أو يهدم بالأصح الخطاب الشائع المهيمن ويبرز إلى العيان قوانين صناعته الخفية أو التي تستبطنه، ولن أفهمه بوصفه تقريراً لمبدأ وجود الخطاب واللغة والنص، أو لمبدأ ملازم لكل خطاب بشري.
المخزون والمشترك الذي اتخذ هويةً كلية، المخزون الذي يقولني ليس مبدأ وجود، ليس قدراً لامهرب منه إلا بالصمت. هناك الوجه الآخر، أعني الخطاب الفردي الذي لايكتسب معنى إلا بالنسبة إلى صاحبه. هذا الوجه الآخر ليس منفصلا عن المشترك والاجتماعي إلا مؤقتاً وفي لحظة إبداعه، بدليل أنه يمكن شرحه بمفردات الخطاب المشترك، ويمكن أن يحل محل المشترك ويقوم بوظيفته. إن علاقته بالمشترك او بالممارسة المشتركة قائمة في قلبه، ولولا هذه العلاقة، حتى لو رأيناها على مستوى أصغر الوحدات الصوتية «الفونيمات»، لما أمكن تحويل خطاب المتوحدين إلى خطاب مشترك. ولأن هذا التحول ممكن وثابت تاريخياً في دخول الخطابات الفردية في الفضاء المشترك ولو بعد حين، فإن هذه الخطابات لاتظل ظاهرة «مرضية» إلا بالنسبة لثقافة في لحظة زمنية معينة، ويمكنها أن تصبح خطابات «صحية» تعيد إلى ثقافة الحياة الميتة في النصوص حيويتها.
لاحظ شاعر فنلندي اسمه «كاي نايمينن» إن قراءة نص مؤلف فرد تبعثه حيا. ويشبه انبعاث حياة من هذا النوع ما يحدث حين تنبثق من بين العلامات اللغوية حياة منسية أو حياة ما نسيناه في غمرة انشغالنا بالنصوص الميتة، أي تلك التي هي مجرد تسميات ومسميات بلا مرجعية. هذه ظاهرة انبثاقية للعلامات لا يعرفها الخطاب المشترك المهيمن الذي يقولنا حين نقول. إنها تجعل ماتحيل إليه حاضراً. فهي تصلنا بالأشياء التي تنقلها ولا تنقل إلينا نفسها فقط. إنها وحدة من واقعة لغوية وشيء يقع خارجها. وما أن نحاول أن نفهم مايقال حتى نجد أنفسنا منخرطين ومشاركين بفعالية في نشاط هو عام وشخصي في وقت واحد معاً.
هنا ننتقل من فضاء الحياة التي تحولت إلى نص ميت إلى فضاء الحوار. العلامة أو الكلمة أو الإشارة تمتلك خاصية حوارية، ومن هنا ربما عنفها الرمزي الذي انشغل به «بيير بورديو»، ومن هنا ربما قدرتها على إيجاز العلاقة بين الأرضي والسماوي في نظر الشاعر الصيني «لو تشي» في قفص الشكل. هي ليست أداة مصمتة منغلقة بلا مؤلف أو قارئ إلا حين تكون جزءاً من مخزون تحول إلى أصل وصار كل ما بعده ظلا. أما حين يصدرها شخص هو جزء من جماعة وزمن ومكان فهي أداة حوار بالضرورة.
أخيراً، هاهي كلمات «ميخائيل باختين» السيء الحظ في الثقافة العربية : «الكلمات ليست محايدة. إنها تضع المتحدث في وضع يأخذ فيه في اعتباره من يستمع حتى لو كان المستمع غائباً. وتضع المتكلم في وضعية علاقة بموضوعات الكلام المرجعية».