2009-05-01
يتغير المشهد بتغير الثقافات التي تتعامل معه، ويتغير قبل ذلك بتغير السنوات التي يحسبها كل واحد منا. ولئن كانت رؤية الطفل للطبيعة معبأة بذكريات متنوعة وأساطير ومعاني، فكم سيكون أكثر تعقيدا الإطار الذي ينظر خلاله الكبار إلى المشهد.
اعتدنا على الفصل بين الطبيعة وإدراكنا لها، ولكن كلا العالمين، أو ما يبدو أنه كذلك، لاانقسام بينهما. فقبل أن يكون المشهد الطبيعي ملجأ للحواس، للراحة والاسترخاء، هو عمل من أعمال الفكر، تبنى مشهديته من طبقات ذاكرة، بالقدر نفسه الذي تبنى فيه من طبقات صخرية.
ولكن إذا نظرنا نظرة موضوعية محايدة، ألا نكتشف أن النظم البيئوية، حافظة الحياة على الأرض، تقوم بعملها مستقلة عن العنصر البشري، تماما مثلما كانت تعمل قبل أن يظهر البشر على سطح هذا الكوكب؟ وتماما كما عكست هذه الواقعة نفسها في نظرة الشعوب القديمة إلى المشاهد الطبيعية بوصفها «كائنات حية»، مستقلة، تثور إذا ثارت وتهدأ كلما ارتأت أن تثور أو تهدأ؟
إذا تصفحنا صحائف الماضي، ما كتب منها على الطين أو الحجر، سنجد هذه النظرة إلى الغابة والجبل والوادي، بل وإلى حجارة الوديان وقمم الأشجار، النظرة التي تكرس لكل هذه المشاهد وجودا عميقا أكثر رسوخا من وجود الإنسان نفسه، بل وأعلى مقاما في أحيان أخرى.
٭٭٭
كل هذا صحيح بالطبع، ولكن من جانب آخر، ألا نلاحظ أن من الصعوبة بمكان التفكير بنظام بيئوي لم تأخذه يد الإنسان وأفكاره بالتكييف والتعديل؟ لاأعني بذلك ما يتردد عن تأثير الثورة الصناعية فقط، بل ماحدث وظل يحدث لقرون طويلة منذ فجر الحضارات القديمة. وماحدث ويحدث حين ننظر إلى المشهد الطبيعي كما رأته عين رسام أو مصور أو كاتب.
هذا المزيج من مشهد خام نقي ومشهد يصنعه الإنسان، هو ما يسميه البعض وحدة بين الطبيعي والبشري لاتنفصم عراها إلا وتركت وراءها آثارا مخربة على الصعيدين؛ صعيد حياة الإنسان وصعيد حياة الطبيعة.
إذا أخذنا النظرة الغربية إلى المشهد الطبيعي بعمومها، سيكون لدينا عصران، عصر يسمى بعصر الأساطير، حيث الامتزاج البالغ الوضوح بين المشهد والذاكرة، بين حياة النبات والحيوان والحجر وحياة الصيادين وبناة المدن والقلاع ورعاة الأغنام، وعصر يسمى عصر العلم والتنوير، حيث اتخذ الإنسان موقف المراقب المحايد، وبدأ يراقب المشهد الطبيعي ليكتشف قوانينه. ولكن حتى في هذا الحياد كان الإنسان يبحث عن نفسه في ما ظنه «موضوعا» محايدا. ومع توغل المراقب في ما يراقبه، إذا به يعود مرة أخرى كالناظر في مرآة إلى حقيقة أسطورية أولى؛ أي أنه لم يعد يعرف هل مايراه من صنعه أم من صنع المشهد الطبيعي، أم من صنع وجود أعلى من الاثنين.
٭٭٭
لنرجع إلى الشرق إذن، إلى مولد حكاية المرآة هذه. في أي اتجاه نظرنا، سنجد الشرقي منذ البدء في طقوسه الزراعية وعزلته في الغابات ولجوئه إلى الكهوف الجبلية ورحلاته الصحراوية لايني يكرر انبهاره بلغز الوجود، بل ويفهم أنه لغز بالضرورة ويتكيف مع هذه النظرة ويقيم مدنه ومعابده ويرسم رموزه الكتابية، مؤمنا بأنه حين ينظر في مرآة المشهد الطبيعي يرى نفسه ويرى ما هو غيره أيضا في هذا الحيز الخيالي العجيب؛ عالم المرآة.
الأكثر دلالة على هذا، ذلك التناول الغريب للمشهد على يد الرسام الصيني أو الياباني أو الفارسي أو العربي. وهو تناول غريب من وجهة نظر ترى انقساما بين العالمين، الإنساني والطبيعي. يطلق على هذا اختلاف المنظور، ويأخذه بعض الناس مأخذ الاختلاف في التقانة، بينما هواختلاف جوهره الموقف من معنى الوجود.
حين ننظر إلى المشهد بعين الرسام الشرقي، لانجده ذاته حين يلتقطه رسام غربي. فالأول يهدم الحدود بين الناظر والمنظور إليه، ويتحرر متلاعبا كما يبدو بزوايا الالتقاط، بينما يقف الثاني متباعدا، فالطبيعة هي الطبيعة كما تقاس بالمسطرة والقلم، والناظر هو الكائن الغريب عن هذا العالم، يطل عليه كما يطل عابر أو متطفل من كوة في جدار.
٭٭٭
الكل يحن، كأنما بنداء داخلي بعيد غامض، إلى ماهو«بري» و «طبيعي». وتظهر نظريات ونظريات . فمرة يقال إننا من «البرية جئنا وإليها نحنّ»، ومرة يقال، بل من «الغابة جئنا وإليها الحنين»، تلك هي المبدأ، لابل هذه هي المبدأ. ووراء كل هذا تكمن واقعة؛ ثمة إحساس بوجود أولي ناء في أزمنة سحيقة، يشبه نداءً يظل يتردد في الأسماع إلا أنها لاتعرف مصدره بالتحديد.
ويصل بعض المنظرين إلى التساؤل: هل للكون ذاكرة، وما ذاكرتنا إلا جزء منها؟
مهما كان من أمر الأجوبة، لايسعنا إلا القول إن حدس المعنيين بشؤون البيئة، وقبلهم حدس الشعوب القديمة، بأن الطبيعة نظام حي، بصخوره وأشجاره ووديانه وجباله وصحرائه، قول ذو معنى أكثر ثراءً من أي معنى مطروح في الطرق والأسواق، قيد التداول والتباهي أو قيد السخرية من الشفقة على موت الغابات والأنهار والتلال.