2009-05-01
كون أغلب الفضائيات العربية تعطي ظهورها للمسرح.. حقيقة مؤكدة يمكنك أن تذكرها أمام المشاهد العادي الذي لا يهمه هذا الفن ولا يهتم به كي يجيبك حينما تنبهه إليها ؛ بهزة غير مبالية من رأسه ثم يرد - حينما تلح عليه في الإجابة - قائلا: وماذا يهمنا في ذلك؟! بل وما الذي ينقصنا أو تغير علينا بغيابه وماذا سوف يضيف إلى حياتنا بحضوره؛ ثم إننا نشاهد كثيرا من المسرحيات على كثير من القنوات التلفزيونية الخاصة أو الحكومية على حد سواء.
عندما تلفت نظره إلى أن غالبية ما يشاهده من أعمال هي مسرحيات تجارية كوميدية أبطالها ممثلون معروفون.ولا تحتفل بغير نفس الموضوعات إياها.بل ربما كانت أكثر موضوعاتها مكررة أو معادة جرى تحويرها وتفصيلها في عمل آخر يحمل اسما جديدا وأبطالا آخرين؛ يهز رأسه في لامبالاة أشد ويذكر لك أنه يعرف ذلك بل ويتفرج عليها مرارا وتكرارا هو وأسرته لأنهم يحبون عادل إمام ودريد لحام وسمير غانم وسعيد صالح وعبدالحسين عبدالرضا ومحمد صبحي وسعاد عبدالله وحياة الفهد وداوود حسين وغانم السليطي وغيرهم من نجوم الكوميديا العرب على سبيل المثال. بل ويحفظون مقاطع من أعمالهم وأقوال مأثورة من «قفشاتهم» عن ظهر قلب.
وحين تحاول معه أكثر كي تجره إلى البوح بما يعرفه عن مسرح كوميدي آخر مختلف عن ما يفرض عليه في كونه لا يتبذل ولا يسف حين يضحك. كما أنه يرتقي بمشاهده ويحترمه حين يهبه متعة أخرى هي متعة المعرفة واكتشاف النفس والعالم؛ يجيبك إجابة مفحمة وهو يضحك مستهترا وكأنه قد كشف لعبتك أو مقصدك قائلا : تقصد الدراما ؟؟.. إننا نفطر عليها ونستمر في تعاطيها «حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر في شهر رمضان».. ومع ذلك يستمر عرض المسلسلات علينا... ولا تنس أن هناك قنوات فضائية خصصت لها واستقلت بتقديمها! وتتدخل برفق محاولا استمالة صبره عليك مثلما تتلطف أكثر كي لا يشعر بأنك تمارس عليه دور المعلم الذي درج منذ طفولته على كراهيته فينفر منك. فتوضح له في خجل حقيقة مدرسية لا تزال غائبة عن المتفرج العربي.
إن الدراما فن ينقسم إلى قسمين. أحدهما جاد ويسمى تراجيديا أو مأساة أو دراما جادة والآخر هزلي فكاهي ويسمى كوميديا..وبينهما مسميات فرعية أخرى لن تبوح له أبدا بها كي لا يعطيك ظهره غاضبا حين تنسى أنك أمام مشاهد الوجبات الخفيفة ومتلقي الملومات على طريقة الـ take away وضمن كبسولات مغلًّفة معسولة!!
ولكي ينهي الموقف يبادرك متعجلا وقد رحمك من التفكير العميق في شأنه - أو ربما ترك لك ذلك كي تمارسه وحدك وتتعذب فيه بمفردك فيسألك مستنكرا وهو يبتسم باستعلاء أو يضحك مشفقا عليك كما يفعل المدّعون: تقصد المسرح التجريبي؟.. إن كل ما يقدمونه من أعمال - أتيح لي أن أشاهد بعض دقائق منها على سبيل حب الاستطلاع - تشبه بعضها تماما في عدة ملامح أولها: أنهم يقولون نفس الكلام الذي لا نفهمه. هذا في حالة قولهم أي شيء لأنهم في العادة لا يتكلمون بل يتحركون نفس الحركات ويرقصون بذات الطريقة. كما أن غالبية وجوههم يغطيها النكد وتعلوها التكشيرات..ولذلك فلا أنا ولا رفاقي نهتم به وإنما نشاهد بعض ما يعرض منه على الفضائيات صدفة وعلى سبيل التندر!
فإذا انتقلت إلى مشاهد آخر تثق أنه أشد وعيا وسألته إن كان يفتقد المسرح على شاشات الفضائيات العربية؟ أجابك بقوله: تقصد مسارح الدولة ومهرجاناتها بالطبع. فيتهلل وجهك فرحا أن عثرت على المشاهد المناسب والذي سوف يجيبك بما تنتظر أن تستمع إليه. لكنه يفاجئك بأنه يعرف أن هناك مسرحا آخر يقدم مسرحيات لوليم شكسبير وآخرها مسرحية الملك لير الناجحة جدا والتي بطلها الفنان يحي الفخراني. وبالطبع تسعد لذلك أيما سعادة فقد عثرت أخيرا على ضالتك أكثر الله من أمثاله. لكنك تحزن عندما تسأله إن كان يفتقد وجود المسرح الحقيقي على الشاشات العربية؟ فيجيبك: إن ما يراه عليها كاف وأن ظروف الحياة لم تعد تسمح بمثل هذه المتابعة المرفهة؟!
وتبحث عن شريحة أخرى من المتابعين المخلصين للقنوات الفضائية وهم الأكبر سنا. وربما انتمى بعضهم لجيل الستينيات حيث بقايا التعلق بحلم القومية العربية وأطياف من حلم الوحدة وقراءات جادة يزيد من أوقاتها التقاعد وحالة الهدوء والتأمل التي تفرضها طبيعة المرحلة العمرية؛ ذكرك بمسرحيات الريحاني التي شاهدها عيانا ومسرحيات اسماعيل يس مع حفلات أم كلثوم التي حرص على أن يرى الكثير منها..كما ذكرك - حتى ولو كان غير كويتي - بحضور الرائد الكبير الأستاذ زكي طليمات إلى الكويت ملبيا رغبة مخلصة من أبنائه المثقفين والفنانين والمسؤولين؛ واختياره له دون كل عواصم الخليج العربي مقرًًّا لمعهد الفنون المسرحية. وكيف تحول هذا المعهد منذ خمسين عاما إلى منارة ثقافية وحركة تنوير ساطعة شملت كل دول المنطقة وأطلقت عليها مصابيحها الكاشفة.وكيف أفرخ هذا المعهد وأثمر فنانين كبار صنعوا حياة مسرحية أكاديمية انتقل تأثيرها إلى واقع أرحب للعمل الفني فانبرت على ساحته أعمال جادة ذات قيمة لعبد العزيز السريع وصقر الرشود.. وكيف تخرج منه فنانون كبار مثل محمد المنصور..وكيف احتضن تجارب فؤاد الشطي واحتضنه حمد الرجيب وأعطاه عمره. وكيف من بين ضفتيه ظهر واحد من أهم كتاب الرواية وأقدرهم في العالم العربي هو إسماعيل فهد إسماعيل. ثم كيف حاضر فيه كرم مطاوع وسعد أردش وإبراهيم حمادة وكمال عيد والمنصف السويسي «يقول كل ذلك ويردف كلمة «على سبيل المثال» بحرص مهذب لكي لا يغضب أحدا ». لكنه الآن يعاني من موات تدريجي ينتظر من يسعفه فيعيد إليه دوره وتألقه القديم - والذي كان أحد الأدوار التي اختارت الكويت أن تتكفل بها وفاء وتحقيقا لتصور تنويري قومي تحملته تجاه العالم العربي ولا تزال آثاره باقية في مطبوعات المجلس الوطني للثقافة ومجلة العربي بالطبع - لكن هذا المعهد رغم امتلائه بعدد لا بأس به من أبنائه الفنانين والنقاد الذين أنفقت عليهم أموال الوطن بكرم لا يمارى فيه فتعلموا في العديد من دول العالم عربية وغربية واكتسبوا خبرات حقيقية تدعم علمهم ومواهبهم الفطرية وتزكيها - قد كفّ عن القيام بما هو مؤهل له؛ فانتقل ذلك إلى الحياة المسرحية الكويتية لتعاني هي الأخرى من جدب لا يليق بها ولا يتناسب مع ما كان لها من فعاليات وإسهامات وتأثير تاريخي مشهود!
وتترك هذا المشاهد «الأثري» ذي القيمة حزينا آسفا ينتظر منك الحل والإجابات التي يعرف منها قدرا كبير يتناسب مع وعيه وثقافته وهمومه... فإذا ما تجرأت على المغامرة أكثر ووجهت السؤال نفسه إلى الشريحة التي أجلتها إشفاقا على نفسك من الأسئلة - وهي شريحة الشباب من طلاب المدارس والجامعات والمراهقين - هالك أن تسمع ما خشيت أن تسمعه!
كان السؤال بصيغة أخرى: ماذا يحدث لو أنك لم تجد مسرحا تذهب إليه وليكن ذلك في حالة توقف المهرجانات المسرحية - لا قدر الله - عن تقديم أعمالها؟
لتكون الإجابة فورا وبتلقائية شديدة : وماذا في ذلك..ما الذي سوف يحدث ؟.. لا شيء بالمرّة. فنحن في جميع الأحوال لا نعرف المسرح ولا نشاهد سوى ما يعرض على الشاشات العربية من كوميديات النجوم والمشاهير الذين نعرفهم. وحين تعود فتطرح السؤال على الجميع : إن كان من واجب القنوات الفضائية أن تخصص مساحة أكبر لعرض الأعمال المسرحية ومناقشتها بهدف نشر الوعي المسرحي؟.. تتعدد الإجابات متناسبة مع الإجابات السابقة... لكنك تخرج منها والحمد لله بإجابة شبه موحدة أو بإجابات متقاربة فحواها - مع اختلاف درجة الإصرار - أن غالبية القنوات الفضائية العربية لا تهتم بالمسرح شأنها في ذلك شأن أغلب المدارس والجامعات - سواء كانت خاصة بمصروفات أو عامة تنفق عليها الدولة - وأن قناة النيل الثقافية المصرية وقناة الدراما وحدهما لا تكفيان بل لا تجدان المادة المسرحية المثالية لتقديمها..وأن ما يعرض عليهما تنطبق عليه صفة «التجريبي» بالمعنى الشائع الممل أو الغامض غير المفهوم أو الذي يبدو وأنه كله يقول شيئا واحدا لا يتغير بسبب طبيعة الأداء التمثيلي وطريقته وشكل المسرح: معمارا وسينوجرافيا وملابس بل وحتى طريقة الأداء وأسلوبه!
أما إجابة «الشريحة الأثرية» الواعية ومن تبعها من القلة المثقفة المهمومة بالمسرح الحقيقي؛ فتعطيك تفاؤلا أكثر - بإمكانية العلاج طالما صح التشخيص - حين تذكرك بوضوح أن ما يكتب للمسرح الآن لا يعكس الواقع العربي والإنساني ولا يمثله. وأن الأقلام المسرحية تعطي ظهورها لحياتنا الحاضرة سياسية كانت أم اجتماعية أم إنسانية رغم امتلائها لمشاكلها ومعاناتنا منها. وأن أكثر المعالجات إما أن تأتي ممعنة في الغموض أو مثقلة بالرموز والإحالات رغم مساحة الحرية التي انتزعت بفعل الزمن أو منحت بحتمية التغير.. وأن كل ذلك بسبب ما يفرض عليها من رقابة تفوق ما يفرض على الكتاب بالطبع. وأن الأفلام السينمائية الساذجة والهابطة أحدثت لدى المشاهد إشباعا دراميا كاذبا.. وأننا لم نكن أبدا في عالمنا العربي جمهورا حقيقيا للمسرح حتى في فترة الستينيات التي تعاودنا أطياف أحلامها..وأن المسرح لا يزدهر سوى على أرض ديمقراطية ولا يعطي ثماره ما لم تضمن له حرية التعبير... وأن القنوات الفضائية العربية لا يجب أن تحيا منفصلة عن واقعها لكونها جزء من الظاهرة وممثل مجسد لها.. وأنها بالفعل وتحت تأثير ما تقدمه من برامج أو ما تجاهر أغلبيتها بتقديمه تسعى إما إلى تكريس الجهل والارتداد والتخلف أو تتحمل وزر الدعوة إلى الإباحية في تطرف معادل في الضرر متساو في التأثير متوحد في النتيجة التي ليست بالقطع النهوض بعقل المواطن وترقية وجدانه وتفتيح مشاعره بطريقة بناءة صالحة!..وأن غالبية القنوات الفضائية المتقدمة تكنولوجيا والمتفوقة إعلاميا لا تعطي للمسرح الجاد الحقيقي - الذي ربما كان مسرح الهواة الواعدين - قدره الذي يناسبه من الاهتمام. شأن ذلك شأن البرامج الفنية و الثقافية والأدبية بل والعلمية الجادة التي تشجع الموهوبين وشباب العلماء والمخترعين والمبشرين بالتفوق العلمي. رغم إعطائها مساحات أكبر وأوقات أكثر أهمية لبرامج الترفيه ومسابقات المعلومات التافهة وطرق الإجابة الكسولة عليها بدءا من الاستعانة بصديق أكثر جهلا؛ إلى حذف بعض الخيارات؛ إلى التخمين العشوائي بالإجابة وكل ما يحرض على تجنب القراءة واعتزال حب الاطلاع!
وهكذا تبقى الحقيقة المؤكدة في مقولة «أعطني مسرحا.. أعطك شعبا» عاطلة وقد كفّت عن العمل في محيطنا.. مثلما يبقى دور أغلب قنواتنا الفضائية - على كثرتها - مهمشا وبالصدفة تجاه المسرح. في حين أن نهضة مسرحية كبرى لا بد وأن تعقبها نهضة معرفية يمكنها أن تتحقق لو اهتمت هذه المنابر الإعلامية بالمسرح فبحثت عن أهم عروضه وأقيمها. وأن هذه النهضة ينبغي لها - بل يجب أن - تواكب اهتماما مماثلا في المسرح المدرسي والجامعي والعمالي كي يماثل ولو نسبة ضئيلة من تشجيع فرق كرة القدم وإذاعة مبارياتها. وأن هذا ليس مجرد تخيل وهمي أو حلم من الأحلام بل إشارة على الرغبة الجادة في المشاركة بإسهامات الحضارة والإيمان بشمولية المعرفة وضرورتها لخلق المواطن الصالح. مثلما ينطوي على اقتحام مساحة جديدة تضيفها القناة - التي سوف تؤمن بذلك وتنفَّذه - إلى قاعدة مشاهديها فتحقق ربحا ماديا مؤكدا أيضا إلى جانب تحقيق الربح المعنوي الأكبر : ربح القيمة وربح التفرد بالسبق إلى تقديم خدمة ثقافية وإعلامية بل ووطنية إلى جمهرة مشاهديها. وباختصار حين لا تدير وجهها للمسرح!.