2009-05-01
الإعلام والاقتصاد وجهان لعملة واحدة... وإن صارت «العملة» النقدية في أزمة حقيقية أيا كانت جنسيتها... فإن النتيجة الطبيعية هو تأثر شديد من الإعلام بكل أنواعه بتلك الأزمة الاقتصادية العالمية التي نعيشها غربا وشرقا.. خاصة وإن الإعلام كان شريكا بشكل أو بآخر في المسؤولية، وفيما أدى بنا إلى الأزمة فالجانب الأعظم من المؤسسات الإعلامية مذنب أيضا في الأزمة - كما يرى إعلامي بارز في الغرب - لأن أغلبها ساندت الأوضاع التي قادت إلى هذا الانهيــــــار.
لقد لعبت كبرى وسائل الإعلام دورا هاما في الحفاظ على هيمنة الشركات بل وتمكينها وسيطرتها.. وكما رصدت صحيفة لاكروا الفرنسية هذه الأزمة الإعلامية الاقتصادية فإن الجميع الآن يخشى من تأثير الأزمة الحالية على الصحافة، وخاصة الصحافة المكتوبة، بفعل تخفيض نسبة الإعلانات في الدرجة الأولى. كما أن ذلك من شأنه أن يؤثر على مستقبل الديمقراطية وحرية الرأي.. فما هي أهم الثمار المرة لتلك الأزمة الاقتصادية العالمية للإعلام؟ هل كل تلك الثمار الاقتصادية الإعلامية هي ثمار مرة؟ هل يمكن أن تكون هنا ثمار حلوة لتلك الأزمة بالنسبة للإعلام؟ هل كل تلك الثمار الاقتصادية الإعلامية هي ثمار مرة؟ هل يمكن أن تكون هناك ثمار حلوة لتلك الأزمة بالنسبة للإعلام غربا وشرقا؟
أزمة اقتصادية.. أزمة إعلامية
الأزمة الاقتصادية عالمية وكذلك الأزمة الإعلامية ففي أكبر دولة إعلامية في أمريكا هناك تهديد حقيقي للصحف الكبرى التي تملكها الإمبراطوريات الإعلامية مثل/المجموعة التي تملك «لوس انجليس تايمز» التي أعلنت وضع نفسها في ظل قانون الإفلاس. بالإضافة إلى «لوس انجليس تايمز»، شيكاغو تريبيون»، «بالتيمور صن»، «هارتفورد كارنت».. ومجموعة تريبيون ثاني أكبر شبكة من الصحف الأمريكية والثالثة من حيث التوزيع، لم يكن إشهار إفلاسها مفاجأة. فقد وصلت خسارتها خلال الفصل الثالث من 8002 إلى 421 مليون دولار. أما أبرز صحيفة في المجموعة «لوس انجليس تايمز» التي فازت خلال 66 عاما، 83 مرة بجائزة بوليتزر للصحافة، فقد قلصت خلال السنوات الأخيرة عدد العاملين فيها إلى حد بعيد. وبات عدد الصحافيين فيها 066 مقابل 0021 في 1002. أما مدير التحرير الحالي فهو الثالث خلال أقل من سنتين. وفي أسبانيا حوالي 02% من إجمالي عدد العاملين في القطاع الإعلامي مهددون بالبطالة عام 0102 حيث تضررت وسائل الإعلام الأسبانية بشكل كبير من الأزمة الاقتصادية وخسرت مطلع 9002 حوالي 03% من عائداتها الإعلانية. واضطر بعضها إلى إغلاق أبوابه كصحيفة مترو المجانية. ومن المؤكد أن الإعلامي العربي في منطقة الشرق الأوسط يتأثر وسوف يتأثر بعدة أشكال من تلك الأزمة وربما يجني الحصاد المر لها. ففي تقرير إعلامي متخصص تحت عنوان (تعاون من أجل النمو) صادر عن نادي دبي للصحافة جاء التأكيد بذلك من حيث أن الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة تؤثر في الشرق الأوسط وتترك آثارها على كافة قطاعات الاقتصاد ومنها الإعلام.
الثمار المرة.. للأزمة
الإعلانات.. بأي ثمن اجتماعي
في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية يضطر أصحاب المؤسسات الاجتماعية إلى البحث بأي وسيلة كانت عن الإعلانات وبأي ثمن حتى وإن كان ذلك الثمن له بعده الاجتماعي. أمامنا أكبر الصحف الأمريكية والعالمية صحيفة نيويورك تايمز التي قررت أن تبيع إعلانات في الصفحة الأولى في اجراءات غريبة على التقليد الصحافي لتلك الصحيفة العريقة.. وذلك بغرض توفير المال بأساليب جديدة في إطار معالجتها لمشكلة تراجع ايراداتها من الإعلانات منذ فترة. فظهر أول إعلان لها في أسفل صفحتها الأولى لإذاعة سي. بي.إس. وهو عبارة عن إعلان مستطيل بعرض الصفحة الأولى بإرتفاع حوالي ستة سنتيمترات. وهكذا وللمرة الأولى في تاريخ هذه الصحيفة تنشر فيها إعلانات في الصفحة الأولى. رغم اعتراضات الأكاديمييين المعنيين بحياد الصحافة على بيع الإعلانات في أماكن يعتقدون أنها يجب أن تخصص فقط للأخبار. وما النيويورك تايمز سوى واحدة فقط من الصحف الكبرى التي تحاول البقاء في وضع مالي جيد وسداد ديونها مع تراجع ايرادات الإعلانات. هكذا الوضع في الغرب، وأما في الشرق فإن المساحة التي كانت تفصل بين الإعلان والقيم الاجتماعية صارت تتضاءل شيئا فشيئا بفعل الانفتاح الإعلامي لعالمنا العربي ثم جاءت الأزمة الاقتصادية لتلتهم ما تبقى من تلك المساحة!
تعددت الآراء..
والعملة واحدة!
أظهر استطلاع في فرنسا حول العلاقة بين الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تعصف بالعالم والإعلام ومدى تأثيرها فيه أن 83% من الجمهور يرى أن التعددية الإعلامية ستتأثر سلبا بالأزمة الاقتصادية الحالية، مقابل 82% لا يتوقعون ذلك، بينما 12% لا يعرفون ردا على السؤال. وتساءلت صحيفة لاكروا الفرنسية عن مستقبل التعددية الإعلامية في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، واعتقدت أنه في خطر، مستمدة الإجابة من استطلاع للرأي في مقياس لاكروا السنوي.
من المتوقع أن تجعل الأزمة المالية الصحافة المكتوبة فقيرة إلى الدعم الحكومي، مما لا يشجع على استقلالية الرأي، فالأزمة لن تقلص فقط مصادر الإعلانات ولكنها أيضاً ستضعف القوة الشرائية للقراء، مما يقلل من شراء الصحف والاشتراكات مع عدم اهتمام الشباب بقراءة الصحف، فالخطر الآن يأتي من تأثير التمويل ـ الذي صار ضعيفاً بسبب الأزمة ـ على التعددية الفكرية التي يتميز بها الإعلام... هذا التمويل لا يأتي فقط من أصحاب الإعلانات ـ التي تقلصت بفعل الأزمة ـ بل من الحكومات أيضاً التي سوف تملي أجندتها الخاصة على الصحافة والإعلام بشكل عام بعد أن صار لها الدور الرئيسي، أو عاد إليها بالأحرى. طالما أنها الآن هي قارب النجاة الوحيد في ضخ رأس المال حتى وإن كان قاربا قديما له صفاته التقليدية التي تحرر منها رأس المال الخاص لكنه صار يستنجد به مرة أخرى بفعل الأزمة. وإن كان المتلقي للإعلام اليوم يتمتع بتعدد كبير كالصحف والإذاعات والتلفزيونات والإنترنت، فما الفائدة من هذا التعدد إذا كان الجميع سيذهبون إلى المصدر نفسه وينقلون المعلومة نفسها؟!.
الصراع على القراء...
من أجل البقاء
إن كان الإعلام يعاني حتى قبل وقوع الأزمة المالية الدولية من تراجع في معدلات القراءة أو المتابعة فإن الأزمة بعد أن حلت سوف تزيد من معاناة البحث عن قراء جدد لذلك سوف تدخل ـ إن لم تكن قد دخلت بالفعل ـ في صراع شديد فيما بينها ومع الظروف الاقتصادية، وفي ذلك سوف لا تدخر تلك المؤسسات الإعلامية وسعاً أو وسيلة بغرض الاحتفاظ بقراءها أو كسب رقعة جديدة من القراء.. وربما تلجأ إلى نوع من دغدغة مشاعر وحواس الجمهور لكسب وده حتى وإن كان ذلك على حساب منظومة القيم الاجتماعية أو حتى الإعلامية المتعارف عليها.
الثمار الحلوة... للأزمة المرة: ثقافة الاكتفاء
هل يمكن أن تنتج تلك الأزمة الاقتصادية ثمارا حلوة ـ ولو قليلة ـ من الإعلام العالمي والعربي؟
الإجابة هي نعم!
وواحدة من تلك الثمار هو المزيد من التركيز على الجانب الصحافي الإعلامي الحقيقي من تغطيات شاملة للأحداث وتحاليل متعمقة للمجريات وتقديم ثقافة اقتصادية علمية مبسطة للجماهير طالما أن الأزمة في الإعلانات تترك المساحات في الورق أو الشاشات للمادة الإعلامية الحقيقية، ولذلك يرى واحد من كبار صناع الإعلام في الغرب، وهو جون ريدينغ الرئيس التنفيذي لمجموعة «فاينانشال تايمز» وفي سياق تحقيق عن مدى تأثير أزمة الأسواق على الإعلام إنه في أوقات الأزمات يكون هناك طلب متزايد على الأخبار والتحليلات الدقيقة والتي يمكن الاعتماد عليها، وذلك لأن القراء بحاجة إلى دليل موثوق به للإمساك بيدهم عبر التقلبات الاقتصادية... وما نطالعه حالياً على الشاشات أو الصفحات يؤكد ذلك حيث لا تخلو واحدة من القنوات التلفزيونية أو الصفحات الأولى أو الداخلية العالمية أو العربية من تغطيات مستمرة بالخبر والتحليل والرأي لأزمة أسواق المال العالمية، مع متابعة أسعار الأسهم وأخبار الشركات والمصارف ومعدلات البطالة. هذا على الجانب الاقتصادي البحت من حيث نشر ثقافة الاقتصاد حتى ولو من خلال الأزمة. ولكن أهم تلك الثمار الحلوة للأزمة المرة هي تلك التغيرات التي تحدث وسوف تحدث بشكل أكبر وأعمق في السلوك الإنساني الاستهلاكي من ناحية وفي نوعية الإعلانات التي تروج للسلع من ناحية أخرى. فالسلوك الإنساني الاستهلاكي من المؤكد أنه سوف يتغير تبعاً للظروف الاقتصادية من ناحية، حيث قلة المداخيل، وتبعاً لتأثير الإعلام الدعائي والإعلاني من ناحية أخرى، ولكن ما يهمنا هنا هو ذلك التأثير الدعائي الصادر من الإعلام والموجه إلى العقول والقلوب معاً. فمن جهة أولى سوف تؤدي قلة الإعلانات التجارية بطبيعة الحال إلى تخفيف الضغط النفسي الإعلامي على المشاهدين، فإن كان الإنسان العادي يتعرض لنسبة إعلانات تجارية على شاشة التلفزيون مثلا تصل إلى حوالي عشرين إعلان في العشر دقائق فقط، فمع انحدارهذه النسبة سوف يعود إليه التفكير في أمور أخرى كان مغيباً عنها بفعل السيل الجارف من الإعلانات. كما أن التكرار للإعلان الواحد في الفترة نفسها ـ بسبب قلة الإعلانات المتاحة ـ سوف يأتي بنوع من الملل لدى المشاهد من تلك الإعلانات وما تحمله من رسائل ترويجية.
ومن جهة ثانية، سوف تأتي ـ وإن لم تكن بالفعل قد ظهرت ـ اتجاهات جديدة إعلامية نحو ثقافة الاقتصاد ليس بالمعنى العلمي لكلمة اقتصاد بل بالمعنى التدبيري المتعقل الذي يتعامل مع الموارد المتاحة بروح التوفير وليس البذخ أو حتى الاستهلاك. نعم، فسوف تعلمنا الأزمة الاقتصادية الحالية، أن ثقافة الاستهلاك لمجرد الاستهلاك والاستعراض الاجتماعي قد ولت وأما من يتمسك بها فسوف يحصد الكثير من الحصاد المر للأزمة الاقتصادية الحالية... ولذا، فقد ظهرت ـ ربما أولا في الإعلام الغربي ـ اتجاهات في برامج ومواد صحافية تلك النزعة الجديدة نحو التوفير في الاستهلاك والسلع، ومن هنا يساهم الإعلام ـ الواعي بالطبع لحجم الأزمة ولدوره ـ بل يلهم الجمهور المتلقي بثقافة جديدة هي ثقافة الاكتفاء بعيداً عن النهم الاستهلاكي الذي لا يشبع أبداً... وإن كانت الأزمة الاقتصادية العالمية قد نبعت من قلب كبرى المجتمعات الاستهلاكية، فقد سارعت تلك المجتمعات بإعلامها إلى استيعاب الدرس... مما يجعلنا بإعلامنا العربي في أشد الاحتياج إلى نشر ثقافة الاكتفاء، والإدراك الكامل أن الأمان لم يعد في المال لأنه لم يكن يوماً في المال، وأن إشباع احتياجاتنا النفسية والعاطفية ليس في «الاقتناء» لهذه السلعة أو تلك، وأن التفوق الاجتماعي ليس فيما نملك بل فيما نكون.