2009-05-01
في الوقت الذي ظهر فيه التليفزيون في عالمنا العربي «أواخر الخمسينيات» كانت السينما في العالم كله تعيش مرحلة ذهبية ويحصد نجوم الشباك ثمن تميزهم ويستمتع جمهور السينما برؤية نجومه المفضلين في أي وقت يشاء.. ويحسب للفيلم السينمائي ألف حساب على كل الصعد الفنية من حيث المستوى والجودة والجماهيرية «مدى إقبال الناس على الفيلم ومدة عرضه لأسابيع أو لأشهر» على اعتبار أنها المقاييس الحقة لنجاح الفيلم تجاريا بالنسبة لمنتجيه وفنيا بالنسبة لناقديه وجماهيريا بالنسبة لمشاهديه وهذه المواصفات هي التي تضعه في خانة التصنيفات كفيلم رائع أو جيد أو عادي..
كانت السينما في تلك المرحلة «بداية الستينيات» قد قطعت شوطا طويلا لتكرس وجودها كصناعة وتجارة وفن منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في كل من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وغيرها من دول أوروبا قبل أن تلتقط أميركا بأسلوبها المراوغ كل الشيفرا ت السينمائية من حولها لتبدأ رحلتها المبكرة في عالم الفيلم السينمائي المتكامل وأنتجت عبر شركات ضخمة كثيرة مثل وورنر برذرز «وام جي ام و جاءت بعدهما» يونيفيرسال «وكولومبيا» وعشرا ت غيرها لتصبح صناعة السينما إحدى أكثر الصناعات رواجا حيث حققت من ورائها تلك الشركات مداخيل مالية كبيرة جعلت منها مؤسسات ذات قوة لا يستهان بها على هذا الصعيد .. بينما ظلت الدول الأوروبية الأخرى «صاحبة فكرة السينما» في المراكز الثانية أو الثالثة ولاتزال كذلك حتى الآن..
مرآة تعكس وجوهنا
وشكلت صناعة السينما فيما بعد الانطلاقة الإعلامية والفنية الأكثر سحرا وتأثيرا في الناس وقد تكون كذلك بالنسبة لنا نحن العرب حيث عكست إلى حد ما ملامح وجوهنا وأفكارنا ومشاعرنا وأحيانا أحلامنا..لنرى أنفسنا من خلال أفلامها ونجومها ونجماتها ومن يقف خلفهم من كتاب سيناريو ومصورين ومخرجين وغيرهم ممن يوصلون ذلك الشريط السينمائي السحري الأسود إلى دائرة الضوء فيسحرنا سطوعه في أرجاء دور العرض التي تستقبل شغفنا وطوقنا للمشاهدة والمتعة والفائدة، صارت السينما هي الموعد الأجمل والمكان الأفضل والجائزة والهدية والمفاجأة ولم تعد مجرد فيلم يعرض وعيون تشاهد.. وإنما عالم متكامل من الروعة في كل تفاصيله الصغيرة والكبيرة لتملأ- السينما -الدنيا وتشغل الناس..
حضور المنافسة وغيابها
في تلك الأثناء كان التليفزيون يتسلل إلى المنازل والأماكن العامة تدريجيا ليأخذ من السينما بعض توهجها وحضورها.. وشيئا فشيئا استطاع هذا «الغازي» الجديد أن يشد جمهورها إليه نتيجة لعوامل كثيرة مساعدة .. ساهمت في خلق حالة من الكساد السينمائي على صعيدي الإنتاج والجماهير لتنحسر الأضواء عن الشاشة الفضية الكبيرة وتسلط على الشاشة الذهبية الصغيرة التي أخذت مكانها في البيوت وفي اهتمامات الناس فتراجع المد السينمائي لفترة من الزمن وترافق ذلك مع كثير من الأحداث المؤلمة التي جعلت من دور العرض مكانا يصعب الوصول إليه.. ولكن الأمر لم يستمر كثيرا على هذا النحو حيث عاد للسينما حضورها الطاغي بعد ذلك بسنوات قليلة وامتلأت دور العرض بالجماهير الباحثة عن السحر السينمائي الآخاذ والذي لا يوفره التليفزيون على الرغم من انتقال الكثير من الدراما والنجوم إلى شاشته الأليفة.. إلا أن ما للسينما يظل لها من نكهة خاصة ورونق مختلف ومكانة مميزة..
يحدث الآن
ما يجري الآن بعد دخول عالم السينما البيتية والشاشات المسطحة والنظم المتكاملة للعرض السينمائي المجسم في البيوت وضع التليفزيون في خدمة السينما وأفلامها بعد أن شكل لها منافسا صعبا في المراحل السابقة وفي عصر الفضائيات عاد التليفزيون ليرتمي في أحضان السينما لعدم استطاعته الاستمرار بمفرده بعيدا عن «طغيان» السينما وسيطرتها ليعمل خادما في بلاطها ومروجا لأفلامها ومشاركا في إنتاجها إلى جانب إنشاء عشرات القنوات الخاصة بعرض الأفلام السينمائية القديمة والحديثة والتي تعمل بدون توقف على مدار الساعة مما يعني أن السينما كفن وقيمة وحضور جماهيري لا تقبل المنافسة ولا يستطيع أي جهاز آخر أن «يقهرها» حيث عاد إليها مرة واحدة وإلى الأبد دورها المتعدد الأوجه في التوجيه والتثقيف والتوثيق والمتعة «الفرجة» من خلال كونها أداه تعبير خطيرة ومؤثرة وفاعلة تكرس وظيفة أساسية في حفظ الأحداث والمراحل والشخصيات وحرارة الأزمنة «الغائبة - والباردة» وكل ما يتعلق بها من وظائف اجتماعية وإنسانية وتاريخية..
وما تقوم به الفضائيات الكثيرة الخاصة بعرض الأفلام السينمائية حاليا يعني التسليم بالدور الكبير الذي تلعبه السينما في خدمة جمهور الفضائيات وجماهير السينما!.